الإثنين , سبتمبر 24 2018
الرئيسية / الأطفال / قصة سيدنا موسى

قصة سيدنا موسى

قصة سيدنا موسى

قصة سيدنا موسى

قصة موسى عليه السلام ‏أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه، وأيده بمعجزتين، إحداهما هي العصا التي تلقف الثعابين، أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دعا سيدنا موسي علية السلام إلى وحدانية الله فحاربه فرعون وجمع له السحرة ليكيدوا له ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى، ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه، فطارده فرعون بجيش عظيم، ووقت أن ظن أتباعه أنهم مدركون أمره الله أن يضرب البحر بعصاه لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للآخرين.

سيدنا هارون علية السلام واذكي التسليم

‏أخو سيدنا موسي علية السلام ورفيقه في دعوة فرعون إلى الإيمان بالله لأنه كان فصيحا ومتحدثا، استخلفه سيدنا موسي علية السلام على قومه عندما ذهب للقاء الله فوق جبل الطور، ولكن حدثت فتنة السامري الذي حول بني إسرائيل إلى عبادة عجل من الذهب له خوار ، فدعاهم سيدنا هارون علية السلام إلى الرجوع لعبادة الله بدلا من العجل ولكنهم استكبروا فلما رجع سيدنا موسي علية السلام ووجد ما آل إليه قومه عاتب سيدنا هارون علية السلام عتابا شديدا

رسل سيدنا موسي علية السلام وسيدنا هارون علية السلام عليهما السلام لأشد الشعوب كرها للحق وابتعادا عنه.. لذgك كانت حياتهما مليئة بالأحداث والمواقف.

ولكي نستطيع عرض هذه القصة بالشكل الصحيح..

تم تقسيمها إلى أربعة أجزاء، كل جزء يتناول مرحلة من مراحل حياة هذين النبيين الكريمين.

قصة موسى عليه السلام كامله

 

الجزء الأول: يتناول نشأة سيدنا موسي علية السلام عليه السلام، وخروجه من مصر إلى مدين هاربا من فرعون وجنوده، ولقاءه بربه في الوادي المقدس.

الجزء الثاني: يتناول عوده سيدنا موسي علية السلام عليه السلام لمصر داعيا إلى الله وحده، والصراع بين سيدنا موسي علية السلام وفرعون في مصر، وغرق فرعون وجنوده.

الجزء الثالث: يتناول حياة سيدنا موسي علية السلام عليه السلام مع بني إسرائيل بعد غرق فرعون، والأحداث العظيمة التي حدثت أثناء ضياعهم في صحراء سيناء.

الجزء الرابع: يتناول بعض القصص التي حدثت لسيدنا موسي علية السلام وقومه، لكن القرآن الكريم لم يحدد لنا زمان ومكان وقوعها (مثل قصة سيدنا موسي علية السلام والعبد الصالح، وقصة قارون).

معجزات موسى عليه السلام

الجزء الاول من  قصة سيدنا موسي

أثناء حياة يوسف علي السلام بمصر، تحولت مصر إلى التوحيد. توحيد الله سبحانه، وهي الرسالة التي كان يحملها جميع الرسل إلى أقواهم. لكن بعد وفاته، عاد أهل مصر إلى ضلالهم وشركهم. أما أبناء يعقوب، أو أبناء إسرائيل، فقد اختلطوا بالمجتمع المصري، فضلّ منهم من ذل، وبقي على التوحيد من بقي. وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم، واشتغلوا في العديد من الحرف.

ثم حكم مصر ملك جبار كان المصريون يعبدونه. ورأى هذا الملك بني إسرائيل يتكاثرون ويزيدون ويملكون. وسمعهم يتحدثون عن نبوءة تقول إن واحدا من أبناء إسرائيل سيسقط فرعون مصر عن عرشه. فأصدر الفرعون أمره ألا يلد أحد من بني إسرائيل، أي أن يقتل أي وليد ذكر. وبدأ تطبيق النظام، ثم قال مستشارون فرعون له، إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، وهذا سينتهي إلى إفناء بني إسرائيل، فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها. والأفضل أن تنظم العملية بأن يذبحون الذكور في عام ويتركونهم في العام الذي يليه.

ووجد الفرعون أن هذا الحل أسلم. وحملت أم سيدنا موسي علية السلام بسيدنا هارون علية السلام في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما جاء العام الذي يقتل فيه الغلمان ولد سيدنا موسي علية السلام. حمل ميلاده خوفا عظيما لأمه. خافت عليه من القتل. راحت ترضعه في السر. ثم جاءت عليها ليلة مباركة أوحى الله إليها فيها.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ سيدنا موسي علية السلام أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

فأمرت الأم بصنع صندوق صغير لسيدنا موسي علية السلام. أرضعته ووضعته في الصندوق. وذهبت إلى شاطئ النيل وألقته في المياه. كان قلب الأم، وهو أرحم القلوب في الدنيا، يمتلئ بالألم وهي ترمي ابنها في النيل، لكنها كانت تعلم أن الله أرحم بسيدنا موسي علية السلام منها، والله هو ربه ورب النيل. لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل حتى أصدر الخالق أمره إلى الأمواج أن تكون هادئة حانية وهي تحمل هذا الرضيع الذي سيكون نبيا فيما بعد، ومثلما أصدر الله تعالى أمره للنار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم، كذلك أصدر أمره للنيل أن يحمل سيدنا موسي علية السلام بهدوء ورفق حتى يسلمه إلى قصر فرعون. وحملت مياه النيل هذا الصندوق العزيز إلى قصر فرعون. وهناك أسلمه الموج للشاطئ.

وفي ذلك الصباح خرجت زوجة فرعون تتمشى في حديقة القصر. وكانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه. فقد كان هو كافرا وكانت هي مؤمنة. كان هو قاسيا وكانت هي رحيمة. كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة. وأيضا كانت حزينة، فلم تكن تلد. وكانت تتمنى أن يكون عندها ولد.

وعندما ذهبت الجواري ليملأن الجرار من النهر، وجدن الصندوق، فحملنه كما هو إلى زوجة فرعون. فأمرتهن أن يفتحنه ففتحنه. فرأت سيدنا موسي علية السلام بداخله فأحست بحبه في قلبها.فلقد ألقى الله في قلبها محبته فحملته من الصندوق. فاستيقظ سيدنا موسي علية السلام وبدأ يبكي. كان جائعا يحتاج إلى رضعة الصباح فبكى.

فجاءت زوجة فرعون إليه، وهي تحمل بين بيدها طفلا رضيعا. فسأل من أين جاء هذا الرضيع؟ فحدثوه بأمر الصندوق. فقال بقلب لا يعرف الرحمة: لابد أنه أحد أطفال بني إسرائيل. أليس المفروض أن يقتل أطفال هذه السنة؟

صرخت زوجته وهي تضم سيدنا موسي علية السلام إلى صدرها أكثر:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا

تذكر فرعون عدم قدرة زوجته على الإنجاب، فاستجاب لرغبتها وسمح لها أن تربي هذا الطفل في قصره.

عاد سيدنا موسي علية السلام للبكاء من الجوع. فأمرت بإحضار المراضع. فحضرت مرضعة من القصر وأخذت سيدنا موسي علية السلام لترضعه فرفض أن يرضع منها. فحضرت مرضعة ثانية وثالثة وعاشرة وسيدنا موسي علية السلام يبكي ولا يريد أن يرضع. فاحتارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل.

لم تكن زوجة فرعون هي وحدها الحزينة الباكية بسبب رفع سيدنا موسي علية السلام لجميع المراضع. فلقد كانت أم سيدنا موسي علية السلام هي الأخرى حزينة باكية. لم تكد ترمي سيدنا موسي علية السلام في النيل حتى أحست أنها ترمي قلبها في النيل. غاب الصندوق في مياه النيل واختفت أخباره. وجاء الصباح على أم سيدنا موسي علية السلام فإذا قلبها فارغ يذوب حزنا على ابنها، وكادت تذهب إلى قصر فرعون لتبلغهم نبأ ابنها وليكن ما يكون. لولا أن الله تعالى ربط على قلبها وملأ بالسلام نفسها فهدأت واستكانت وتركت أمر ابنها لله. كل ما في الأمر أنها قالت لأخته: اذهبي بهدوء إلى جوار قصر فرعون وحاولي أن تعرفي ماذا حدث لسيدنا موسي علية السلام. وإياك أن يشعروا بك.

 

وذهبت أخت سيدنا موسي علية السلام بهدوء ورفق فإذا بها تسمع القصة الكاملة. رأت سيدنا موسي علية السلام من بعيد وسمعت بكاءه، ورأتهم حائرين لا يعرفون كيف يرضعونه، سمعت أنه يرفض كل المراضع. وقالت أخت سيدنا موسي علية السلام لحرس فرعون: هل أدلكم على أهل بيت يرضعونه ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه؟

ففرحت زوجة فرعون كثيرا لهذا الأمر، وطلبت منها أن تحضر المرضعة. وعادت أخت سيدنا موسي علية السلام وأحضرت أمه. وأرضعته أمه فرضع. وتهللت زوجة فرعون وقالت: “خذيه حتى تنتهي فترة رضاعته وأعيديه إلينا بعدها، وسنعطيك أجرا عظيما على تربيتك له”. وهكذا رد الله تعالى سيدنا موسي علية السلام لأمه كي تقر عينها ويهدأ قلبها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق وأن كلماته سبحانه تنفذ رغم أي شيء. ورغم كل شيء.

قال تعالى في سورة القصص:

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ سيدنا موسي علية السلام فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

قصة سيدنا موسى عليه السلام

أتمت أم سيدنا موسي علية السلام رضاعته وأسلمته لبيت فرعون. كان موضع حب الجميع. قال تعالى في سورة طه:

وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي

كان لا يراه أحد إلا أحبه. وها هو ذا في أعظم قصور الدنيا يتربى بحفظ الله وعنايته. بدأت تربية سيدنا موسي علية السلام في بيت فرعون. وكان هذا البيت يضم أعظم المربين والمدرسين في ذلك الوقت. كانت مصر أيامها أعظم دولة في الأرض. وكان فرعون أقوى ملك في الأرض، ومن الطبيعي أن يضم قصره أعظم المدربين والمثقفين والمربين في الأرض. وهكذا شاءت حكمة الله تعالى أن يتربى سيدنا موسي علية السلام أعظم تربية وأن يتعهده أعظم المدرسين، وأن يتم هذا كله في بيت عدوه الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.

وكبر سيدنا موسي علية السلام في بيت فرعون. كان سيدنا موسي علية السلام يعلم أنه ليس ابنا لفرعون، إنما هو واحد من بني إسرائيل. وكان يرى كيف يضطهد رجال فرعون وأتباعه بني إسرائيل.. وكبر سيدنا موسي علية السلام وبلغ أشده..(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) وراح يتمشى فيها. فوجد رجلا من اتباع فرعون وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، واستغاث به الرجل الضعيف فتدخل سيدنا موسي علية السلام وأزاح بيده الرجل الظالم فقتله. كان سيدنا موسي علية السلام قويا جدا، ولم يكن يقصد قتل الظالم، إنما أراد إزاحته فقط، لكن ضربته هذه قتلته. ففوجئ سيدنا موسي علية السلام به وقد مات وقال لنفسه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ). ودعا سيدنا موسي علية السلام ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). وغفر الله تعالى له، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

قال تعالى في سورة القصص:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ سيدنا موسي علية السلام فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

أصبح سيدنا موسي علية السلام (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ). كان هذا حال سيدنا موسي علية السلام، حال إنسان مطارد، فهو خائف، يتوقع الشر في كل خطوة، وهو مترقب، يلتفت لأوهى الحركات وأخفاها.

ووعد سيدنا موسي علية السلام بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين. لن يتدخل في المشاجرات بين المجرمين والمشاغبين ليدفع عن أحد من قومه. وفوجئ سيدنا موسي علية السلام أثناء سيره بنفس الرجل الذي أنقذه بالأمس وهو يناديه ويستصرخه اليوم. كان الرجل مشتبكا في عراك مع أحد المصريين. وأدرك سيدنا موسي علية السلام بأن هذا الإسرائيلي مشاغب. أدرك أنه من هواة المشاجرات. وصرخ سيدنا موسي علية السلام في الإسرائيلي يعنفه قائلا: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ). قال سيدنا موسي علية السلام كلمته واندفع نحوهما يريد البطش بالمصري. واعتقد الإسرائيلي أن سيدنا موسي علية السلام سيبطش به هو. دفعه الخوف من سيدنا موسي علية السلام إلى استرحامه صارخا، وذكّره بالمصري الذي قتله بالأمس. فتوقف سيدنا موسي علية السلام، سكت عنه الغضب وتذكر ما فعله بالأمس، وكيف استغفر وتاب ووعد ألا يكون ظهيرا للمجرمين. استدار سيدنا موسي علية السلام عائدا ومضى وهو يستغفر ربه.

وأدرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي أن سيدنا موسي علية السلام هو قاتل المصري الذي عثروا على جثته أمس. ولم يكن أحمد من المصررين يعلم من القاتل. فنشر هذا المصري الخبر في أرجاء المدينة. وانكشف سر سيدنا موسي علية السلام وظهر أمره. وجاء رجل مصري مؤمن من أقصى المدينة مسرعا. ونصح سيدنا موسي علية السلام بالخروج من مصر، لأن المصريين ينون قلته.

قال تعالى:

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ سيدنا موسي علية السلام إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا سيدنا موسي علية السلام أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا سيدنا موسي علية السلام إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ

يخفي الله عنا اسم الرجل الذي جاء يحذر سيدنا موسي علية السلام. ونرجح أنه كان رجلا مصريا (من ذوي الأهمية) بنص الآيات، فقد اطلع على مؤامرة تحاك لسيدنا موسي علية السلام من مستويات عليا، ولو كان شخصية عادية لما عرف. يعرف الرجل أن سيدنا موسي علية السلام لم يكن يستحق القتل على ذنبه بالأمس.. لقد قتل الرجل خطأ. والجريمة في القانون المصري القديم عقوبتها السجن. ما الذي أبرز فكرة قتل سيدنا موسي علية السلام إذن؟ إن هناك عبارة في نصيحة المصري لسيدنا موسي علية السلام تضع يدنا على الجواب.

هذه العبارة هي قوله: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ).

الملأ هم رؤساء القوم وعليتهم. وهم يعدون له مؤامرة. إن الجريمة عادية، لا تقتضي غير عرض الأمر على القضاء والحكم بالسجن فيها. ما الذي أدخل الملأ هنا؟ وجعلهم طرفا شخصيا في النزاع، ودفعهم للتآمر على قتله؟ يبدوا أن أحد علية القوم لم يكن يحب سيدنا موسي علية السلام. كان يعلم أنه من بني إسرائيل. وكان يرى في وصول الصندوق إلى قصر فرعون مكيدة دبرها له أعداؤه الطامعون في منصبه. كيف أفلت منه أحد أبناء إسرائيل في العام الذي لا ينبغي أن يفلت فيه أحد؟! أخيرا جاءت الفرصة. حيث أن سيدنا موسي علية السلام هو قاتل المصري الذي عثروا على جثته بالأمس. استخف الفرح كل من كانوا يكرهون سيدنا موسي علية السلام من رجال القصر. وتقرر قتله. ثم أرسل الله لسيدنا موسي علية السلام مصريا عاقلا يحذره وينصحه بالفرار من وجه الظالمين.

قال تعالى:

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

صورة أخرى لسيدنا موسي علية السلام وهو مطارد. خرج على الفور. خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب. في قلبه دعاء لله (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وكان القوم ظالمين حقا. ألا يريدون تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، وهو لم يفعل شيئا أكثر من أنه مد يده وأزاح رجلا فقتله خطأ؟

خرج سيدنا موسي علية السلام من مصر على عجل. لم يذهب إلى قصر فرعون ولم يغير ملابسه ولم يأخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته. لم يكن معه دابة تحمله على ظهرها وتوصله. ولم يكن في قافلة. إنما خرج بمجرد أن جاءه الرجل المؤمن وحذره من فرعون ونصحه أن يخرج. اختار طريقا غير مطروق وسلكه. دخل في الصحراء مباشرة واتجه إلى حيث قدرت له العناية الإلهية أن يتجه. لم يكن سيدنا موسي علية السلام يسير قاصدا مكانا معينا. هذه أول مرة يخرج فيها ويعبر الصحراء وحده.

ظل يسير بنفسية المطارد حتى وصل إلى مكان. كان هذا المكان هو مدين. جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم. وكان خائفا طوال الوقت أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.

لم يكد سيدنا موسي علية السلام يصل إلى مدين حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح. نال منه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد أن ذابت من مشقة السير على الرمال والصخور والتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة. ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب. لاحظ سيدنا موسي علية السلام جماعة من الرعاة يسقون غنمهم، ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم، أحس سيدنا موسي علية السلام بما يشبه الإلهام أن الفتاتين في حاجة إلى المساعدة. تقدم منهما وسأل هل يستطيع أن يساعدهما في شيء.

قالت إحداهما: نحن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهم لنسقي.

سأل سيدنا موسي علية السلام: ولماذا لا تسقيان؟

قالت الأخرى: لا نستطيع أن نزاحم الرجال.

اندهش سيدنا موسي علية السلام لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام. هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج إلى اليقظة.

سأل سيدنا موسي علية السلام: لماذا ترعيان الغنم؟

فقالت واحدة منهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته على الخروج كل يوم للرعي.

فقال سيدنا موسي علية السلام: سأسقي لكما.

سار سيدنا موسي علية السلام نحو الماء. اكتشف أن الرعاة قد وضعوا على فم البئر صخرة ضخمة لا يستطيع أن يحركها غير عشرة رجال. احتضن سيدنا موسي علية السلام الصخرة ورفعها من فم البئر. وكان سيدنا موسي علية السلام قويا لذا تمكن من رفعها وحده. سقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلى مكانها، وتركهما وعاد يجلس تحت ظل الشجرة. وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه:

رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

قال تعالى:

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

قصة موسى عليه السلام

عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ.

سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!

قالت إحداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم قبل أن يسقي الرعاة.

فقال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) ليعطيك (أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).

ذهبت واحدة من الفتاتين إلى سيدنا موسي علية السلام، ووقفت أمامه وأبلغته رسالة أبيها. فنهض سيدنا موسي علية السلام وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهن أجرا، وإنما ساعدهما لوجه الله، غير أنه أحس في داخله أن الله هو الذي يوجه قدميه فنهض. سارت البنت أمامه. هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض سيدنا موسي علية السلام بصره حياء وقال لها: سأسير أنا أمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.

وصلا إلى الشيخ. قال بعض المفسرين إن هذا الشيخ هو النبي شعيب. عمر طويلا بعد موت قومه. وقيل إنه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه، وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب الذين آمنوا به. لا نعرف أكثر من كونه شيخا صالحا.

قدم له الشيخ الطعام وسأله: من أين قدم وإلى أين سيذهب؟ حدثه سيدنا موسي علية السلام عن قصته. قال الشيخ: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا إليك هنا. اطمأن سيدنا موسي علية السلام ونهض لينصرف.

قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

سألها الأب: كيف عرفت أنه قوي؟

قالت: رفع وحده صخرة لا يرفعها غير عشرة رجال.

سألها: وكيف عرفت أنه أمين؟

قالت: رفض أن يسير خلفي وسار أمامي حتى لا ينظر إلي وأنا أمشي. وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضع عينيه في الأرض حياء وأدبا.

وعاد الشيخ لسيدنا موسي علية السلام وقال له: أريد يا سيدنا موسي علية السلام أن أزوجك إحدى ابنتي على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أن أتعبك، (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). قال سيدنا موسي علية السلام: هذا اتفاق بيني وبينك. والله شاهد على اتفاقنا. سواء قضيت الثماني السنوات، أو العشر سنوات فأنا حر بعدها في الذهاب.

قال تعالى في سورة القصص:

فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ

يخوض الكثيرون في تيه من الأقاصيص والروايات، حول أي ابنتي الشيخ تزوج، وأي المدتين قضى. والثابت أن سيدنا موسي علية السلام تزوج إحدى ابنتي الشيخ. لا نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. وهذه الأمور سكت عنها السياق القرآني. إلا أنه استنادا إلى طبيعة سيدنا موسي علية السلام وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم. نرى أنه قضى الأجل الأكبر. وهذا ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاش سيدنا موسي علية السلام يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.

وكان عمل سيدنا موسي علية السلام ينحصر في الخروج مع الفجر كل يوم لرعي الأغنام والسقاية لها.

ولنقف هنا وقفة تدبر. إن قدرة الإلهية نقلت خطى سيدنا موسي علية السلام -عليه السلام- خطوة بخطوة. منذ أن كان رضيعا في المهد حتى هذه اللحظة. ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون. وألقت عليه محبة زوجة فرعون لينشأ في كنف عدوّه. ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل نفسا. وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج من مصر. وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد من غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر. ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.

هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، قبل النداء والتكليف. تجربة الرعاية والحب والتدليل. تجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة. وتجربة الغربة والوحدة والجوع. وتجربة الخدمة ورغي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من تجارب صغيرة، ومشاعر وخواطر، وإدراك ومعرفة. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة.

إن الرسالة تكليف ضخم شاق، يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة، إلى جانب وحي الله وتوجيهه. ورسالة سيدنا موسي علية السلام تكليف عظيم، فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأشدهم استعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه. فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.

فتجربة السنوات العشر جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها سيدنا موسي علية السلام -عليه السلام- وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة. فلحياة القصور جوا وتقاليد خاصة. أما الرسالة فهي معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، المهذب والخشن، القوي والضعيف، وفيهم وفيهم. وللرسالة تكاليفها من المشقة ومن التجرد أحيانا، وقلوب أهل القصور في الغالب لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة.

فلما استكملت نفس سيدنا موسي علية السلام -عليه السلام- تجاربها، وأكملت مرانها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغرة. قادت القدرة الإلهية خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه، ومجال دراسته وعمله. وهكذا نرك كيف صُنِعَ سيدنا موسي علية السلام على عين الله، وكيف تم إعداده لتلقي التكليف.

ترى أي خاطر راود سيدنا موسي علية السلام، فعاد به إلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفا يترقب؟ وأنساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفسا؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه؟

إنها قدرة الله التي تنقل خطاه كلها. لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة والوطن. وأنسته الخطر الذي خرج هاربا منه وحيدا طريدا. ليؤدي المهمة التي خلق لها.

خرج سيدنا موسي علية السلام مع أهله وسار. اختفى القمر وراء أسراب من السحاب الكثيف وساد الظلام. اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء وزادت حدة البرد والظلام. وتاه سيدنا موسي علية السلام أثناء سيره. ووقف سيدنا موسي علية السلام حائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع رأسه فشاهدها عن بعد. شاهد نارا عظيمة تشتعل عن بعد. امتلأ قلبه بالفرح فجأة. قال لأهله: أني رأيت نارا هناك.

أمرهم أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب إلى النار لعله يأتيهم منها بخبر، أو يجد أحدا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه، أو يحضر إليهم بعض أخشابها المشتعلة لتدفئتهم.

وتحرك سيدنا موسي علية السلام نحو النار. سار سيدنا موسي علية السلام مسرعا ليدفئ نفسه. يده اليمنى تمسك عصاه. جسده مبلل من المطر. ظل يسير حتى وصل إلى واد يسمونه طوى. لاحظ شيئا غريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا رياح. ثمة صمت عظيم ساكن. واقترب سيدنا موسي علية السلام من النار. لم يكد يقترب منها حتى نودي:

أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 

توقف سيدنا موسي علية السلام فجأة. وارتعش. كان الصوت يجيء من كل مكان ولا يجئ من مكان محدد. نظر سيدنا موسي علية السلام في النار وعاد يرتعش. وجد شجرة خضراء من الشوك وكلما زاد تأجج النار زادت خضرة الشجرة. المفروض أن تتحول الشجرة إلى اللون الأسود وهي تحترق. لكن النار تزيد واللون الأخضر يزيد. راح سيدنا موسي علية السلام يرتجف رغم الدفء. كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه، وكان الوادي الذي يقف فيه هو وادي طوى.

ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة والله عز وجل ينادي: يَا سيدنا موسي علية السلام

رفع سيدنا موسي علية السلام رأسه وقال: نعم.

قال الله عز وجل: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ

ازداد ارتعاش سيدنا موسي علية السلام وقال: نعم يا رب.

قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

انحنى سيدنا موسي علية السلام راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.

عاد الحق سبحانه وتعالى يقول: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى

زاد انتفاض جسد سيدنا موسي علية السلام وهو يتلقى الوحي الإلهي ويستمع إلى ربه وهو يخاطبه. قال الرحمن الرحيم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا سيدنا موسي علية السلام

ازدادت دهشة سيدنا موسي علية السلام. إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاطبه، والله يعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه. لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه؟! لا شك أن هناك حكمة عليا لذلك.

أجاب سيدنا موسي علية السلام وصوته يرتعش: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى

قال الله عز وجل: أَلْقِهَا يَا سيدنا موسي علية السلام

رمى سيدنا موسي علية السلام العصا من يده وقد زادت دهشته. وفوجئ بأن العصا تتحول فجأة إلى ثعبان عظيم الحجم هائل الجسم. وراح الثعبان يتحرك بسرعة. ولم يستطع سيدنا موسي علية السلام أن يقاوم خوفه. أحس أن بدنه يتزلزل من الخوف. فاستدار سيدنا موسي علية السلام فزعا وبدأ يجري. لم يكد يجري خطوتين حتى ناداه الله!

( يَا سيدنا موسي علية السلام لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ )

( أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ )

عاد سيدنا موسي علية السلام يستدير ويقف. لم تزل العصا تتحرك. لم تزل الحية تتحرك.

قال الله سبحانه وتعالى لسيدنا موسي علية السلام: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى

مد سيدنا موسي علية السلام يده للحية وهو يرتعش. لم يكد يلمسها حتى تحولت في يده إلى عصا. عاد الأمر الإلهي يصدر له: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ

وضع سيدنا موسي علية السلام يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تتلألأ كالقمر. زاد انفعال سيدنا موسي علية السلام بما يحدث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..

اطمأن سيدنا موسي علية السلام وسكت. وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين -معجزة العصا ومعجزة اليد- أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين، ويأمره أن يخرج بني إسرائيل من مصر. وأبدى سيدنا موسي علية السلام خوفه من فرعون. قال إنه قتل منهم نفسا ويخاف أن يقتلوه. توسل إلى الله أن يرسل معه أخاه سيدنا هارون علية السلام. طمأن الله سيدنا موسي علية السلام أنه سيكون معهما يسمع ويرى، وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. أفهم الله سيدنا موسي علية السلام أنه هو الغالب. ودعا سيدنا موسي علية السلام وابتهل إلى الله أن يشرح له صدره وييسر أمره ويمنحه القدرة على الدعوة إليه.

قال تعالى في سورة طه:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ سيدنا موسي علية السلام (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا سيدنا موسي علية السلام (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا سيدنا موسي علية السلام (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا سيدنا موسي علية السلام (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) سيدنا هارون علية السلام أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا سيدنا موسي علية السلام (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا سيدنا موسي علية السلام (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

قصة نبي الله موسى

اختار الله سيدنا موسي علية السلام واصطنعه لنفسه. سبحانه. وتلك قمة من قمم التشريف لا نعرف أحدا بلغها في ذلك الزمان البعيد غير سيدنا موسي علية السلام عليه الصلاة والسلام. قفل سيدنا موسي علية السلام راجعا لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا إلى فرعون. انحدر سيدنا موسي علية السلام بأهله قاصدا مصر.

يعلم الله وحده أي أفكار عبرت ذهن سيدنا موسي علية السلام وهو يحث خطاه قاصدا مصر. انتهى زمان التأمل، وانطوت أيام الراحة، وجاءت الأوقات الصعبة أخيرا، وها هو ذا سيدنا موسي علية السلام يحمل أمانة الحق ويمضي ليواجه بها بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم. يعلم سيدنا موسي علية السلام أن فرعون مصر طاغية. يعلم أنه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع. يعلم أنه سيقف من دعوته موقف الإنكار والكبرياء والتجاهل. لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون. أن يدعوه بلين ورفق إلى الله. أوحى الله لسيدنا موسي علية السلام أن فرعون لن يؤمن. ليدعه سيدنا موسي علية السلام وشأنه. وليركز على إطلاق سراح بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم. قال تعالى لسيدنا موسي علية السلام وسيدنا هارون علية السلام:

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ

هذه هي المهمة المحددة. وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات. إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به، ويستحيي نسائهم، ويذبح أبنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر. يعلم سيدنا موسي علية السلام أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي على استعباد بني إسرائيل واستغلال عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة، فهل يفرط الفرعون في بناء الدولة الأساسي ببساطة ويسر؟ ذهبت الأفكار وجاءت، فاختصرت مشقة الطريق. ورفع الستار عن مشهد المواجهة

الجزء الثاني من قصة سيدنا موسي

حَدَثهُ عَنَّ اللّٰه . عَنَّ رَحَّمتُهُ وَجُنّتهُ . عَنَّ وَجَوْب تَوْحِيدهُ وَعِبادتهُ . حاوَلَ إِيقاظ جَوانِبهُ الإِنْسانِيَّة فِي الحَدِيث . أُلَمِّح إِلَيهِ إِنَّهُ يُمْلَك مُصِرّ ، وَيَسْتَطِيع لَو أَرادَ أَن يُمْلَك الجَنَّة . وَما عَلِيّهُ لَذُلّكَ إِلّا أَن يَتْقِي اللّٰه . أَسْتَمِع فِرْعَوْن إِلَى حَدِيث سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ضَجِرا شِبْه هازِئ وَقَّدَ تَصَوُّرهُ مَجْنُونا تَجَرَّأَ عَلَى مَقامّهُ السامِيّ . ثُمَّ سَأَلَ فِرْعَوْن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ماذا يُرِيد . فَأَجابَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِنَّهُ يُرِيد أَن يُرْسِل مَعَهُ بُنِّي إِسْرائِيل .

وَيُعْجِب فِرْعَوْن وَهُو يَرَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام يُواجِههُ بِهٰذِهِ الدَعْوَى العَظِيمَة ، وَيَطْلُب إِلَيهِ ذُلّكَ الطَلَب الكَبِير . فَآخِر عَهْد فِرْعَوْن بِسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَنَّهُم رَبُوهُ فِي قَصَرَهُ بَعُدَ أَن ٱِلْتَقَطُوا تابُوتهُ . وَأَنْه هَرَب بَعُدَ قَتَّلَهُ لِلقِبْطِيّ الَّذِي وَجِدّهُ يَتَعارَك مَعَ الإِسْرائِيلِيّ . فَما أُبْعَد المَسافَة بَيَّننَ آخَر عَهْد فِرْعَوْن بِسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِذْن وَهٰذِهِ الدَعْوَى العَظِيمَة آلَتَيْ يُواجِههُ بِها بَعُدَ عَشَّرَ سَنَّينَ ! وَمِن ثُمَّ بَدَأَ فِرْعَوْن يُذَكِّرهُ بِماضِيهُ . يُذَكِّرهُ بِتُرَبِيّتهُ لَهُ فَهَلَّ هٰذا جَزاء التُرَبِيَّة وَالكَرّامَة آلَتَيْ لَقِيتُها عِنْدَنا وَأَنْتِ وَلِيَد ؟ لِتَأْتِي الآن لَتَخالَفَ دَيّانتنا ، وَتُخْرِج عَلَى المَلِك الَّذِي تَرَبَّيتَ فِي قَصَرَهُ ، وَتَدْعُوا إِلَى إِلٰه غَيَّرَهُ ؟!

وَيُذْكِرهُ بِحادِث مَقْتَل القِبْطِيّ فِي تَهْوِيل وَتَجْسِيم . فَلا يَتَحَدَّث عَنها بِصَرِيح العِبارَة وَإِنَّما يَقُول (وَفَعَلتَ فَعْلتكَ آلَتَيْ فَعِلتَ ) فَعْلتكَ البَشِعَة الشَنِيعَة (وَأَنْتِ مَن الكافِرَيْنِ ) بِرَبّ العالَمِيْنَ الَّذِي تَقُول بِهِ اليَوْم ، فَأَنَت لِمَ تُكَنّ وَقَّتتِها تَتَحَدَّث عَنَّ رَبَّ العالَمِيْنَ ! لِمَ تَتَحَدَّث بِشَيْء عَنَّ هٰذِهِ الدَعْوَى آلَتَيْ تَدْعِيها اليَوْم ؛ وَلَم تَخْطِرنا بِمُقَدِّمات هٰذا الأَمْر العَظِيم ؟!

حَكَى اللّٰه تَعالَىْ فِي سُورَة الشَعْراء جُزْءا مَن الحِوار بَيَّننَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَفِرْعَوْن . قالَ تَعالَىْ :

وَإِذ نادَى رَبَكَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن ائت القَوْم الظالِمَيْنِ (10) قَوْم فِرْعَوْن أَنلا يَتْقُونَ (11) قالَ رَبَّ إِنِّي أُخاف أَن يُكْذِبُونَ (12) وَيُضَيِّق صَدْرِي وَلا يَنْطَلِق لِسانِي فَأُرْسِل إِلَى سَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام (13) وَلِهَمّ عَلِيّ ذَنَب فَأُخاف أَن يُقْتَلُونَ (14) قالَ كُلّاً فَأَذْهَبا بِآياتنا إِنّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ (15) فَأَتَيا فِرْعَوْن فَقَوْلاً إِنّا رَسُول رَبَّ العالَمِيْنَ (16) أَن أَرْسَلَ مَعَنا بُنِّي إِسْرائِيل (17) قالَ أَلَمَّ نُرَبّكَ فَيِناً وُلَيْداً وَلَبِثتِ فَيِناً مَن عَمَرَكَ سَنَّينَ (18) وَفَعَلتَ فَعْلتكَ آلَتَيْ فَعِلتَ وَأَنْتِ مَن الكافِرَيْنِ (19) قالَ فَعْلتها إِذاً وَأَنا مَن الضالَّيْنِ (20) فَفَرَرتِ مِنكُم لِما خَفَتكُم فَوَهَبَ لَيّ رَبَّيْيَ حَكَما وَجَعَلَنِي مَن المُرْسَلَيْنِ (21)

وَظَنّ فِرْعَوْن إِنَّهُ رَدَّ عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام رَدّا لَيِن يُمْلَك مَعَهُ جَواباً . إِلّا أَن اللّٰه أُسْتَجاب لِدُعاء سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مَن قَبِلَ ، فَأَنْطَلِق لِسانهُ : (قالَ فَعْلتها إِذاً وَأَنا مَن الضالَّيْنِ ) فَعِلتَ تَلّكِ الفَعْلَة وَأَنا بَعُدَ جاهِل ، أَنْدَفِع ٱِنْدِفاع العَصَبِيَّة لَقَوْمِيّ ، لا ٱِنْدِفاع العُقَيْدَة آلَتَيْ عَرَفتَها اليَوْم بِما أَعْطانِي رَبَّيْيَ مَن الحُكَّة . (فَفَرَرتِ مِنكُم لِما خَفَتكُم ) عَلَى نَفْسِيّ . فَقِسَم اللّٰه لَيّ الخَيْر فَوَهَبَ لَيّ الحِكْمَة (وَجَعَلَنِي مَن المُرْسَلَيْنِ ).

وَيُكْمَل سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام خِطابهُ لَفِرْعَوْن بِنَفْس القُوَّة : (وَتَلّكِ نَعْمَة تُمَّنها عَلِيّ أَن عَبَّدتَ بُنِّي إِسْرائِيل ) فَما كانَت تُرَبِيَّتَيْيَ فِي بَيْتكِ وُلَيْداً إِلّا مَن جَرّاء ٱِسْتِعْبادكِ لِبَنِي إِسْرائِيل ، وَقُتِلَ أَبْنائهُم ، مِنما دَفْع أُمِّي لَوَضْعِيّ فِي التابُوت وَإِلْقاءهُ فِي أَلِيم ، فَتَلْتَقِطهُ فَأَتَرَبَّى فِي بَيْتكِ ، لا فِي بَيْت أَبَوِيّ . فَهَلَّ هٰذا هُوَ ما تُمَنّهُ عَلِيّ ، وَهَّلَ هٰذا هُوَ فَضَّلَكِ العَظِيم ؟!

عَنِدَ هٰذا الحَدّ تُدْخَل الفِرْعَوْن فِي الحَدِيث .. قالَ فِرْعَوْن وَما رَبَّ العالَمِيْنَ

قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام : رَبَّ السَماوات وَالأَرْض وَما بَيْنَهُما إِن كُنتُم مُوقِنِيْنَ

ٱِلْتَفَتتَ فِرْعَوْن لِمَن حَوْلِهِ وَقالَ هازِئا : أَنلا تَسْتَمِعُونَ

قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مُتَجاوِزا سُخْرِيَّة الفِرْعَوْن : رُبّكُم وَرَبّ آبائكُم الأَوَّلَيْنِ

قالَ فِرْعَوْن مُخاطِباً مَن جاءُوا مَعَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مَن بُنِّي إِسْرائِيل : إِن رَسُولكُم الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيكُم لَمَجْنُون

عاد سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام يَتَجاوَز ٱِتِّهام الفِرْعَوْن وَسُخْرِيّتهُ وَيُكْمَل : رَبَّ المَشْرِق وَالمَغْرِب وَما بَيْنَهُما إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ

حَكَى اللّٰه تَعالَىْ فِي سُورَة الشَعْراء جُزْءا مَن حَوار فِرْعَوْن وَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام .. قالَ تَعالَىْ :

قالَ فِرْعَوْن وَما رَبَّ العالَمِيْنَ (23) قالَ رَبَّ السَماوات وَالأَرْض وَما بَيْنَهُما إِن كُنتُم مُوقِنِيْنَ (24) قالَ لِمَن حَوْلِهِ أَنلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رُبّكُم وَرَبّ آبائكُم الأَوَّلَيْنِ (26) قالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيكُم لَمَجْنُون (27) قالَ رَبَّ المَشْرِق وَالمَغْرِب وَما بَيْنَهُما إِن كُنتُم تَعْقِلُونَ

قالَ تَعالَىْ :

فَأَتَياهُ فَقَوْلاً إِنّا رَسُولاً رَبَكَ فَأُرْسِل مَعَنا بُنِّي إِسْرائِيل وَلا تُعَذِّبهُم قُدّ جِئناكَ بِآيَة مَن رَبَكَ وَالسَلام عَلَى مَن أُتْبِع الهُدَى (47) إِنّا قُدّ أُوحِيَ إِلَينا أَن العَذاب عَلَى مَن كَذَّبَ وَتُولَى (48) قالَ فَمِن رَبّكُما يا سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام (49) قالَ رُبّنا الَّذِي أُعْطَى كُلْ شَيْء خَلْقهُ ثُمَّ هَدَى (50) قالَ فَما بال القُرُون الأُولى (51) قالَ عِلْمها عَنِدَ رَبَّيْيَ فِي كُتّاب لا يَضِلّ رَبَّيْيَ وَلا يُنْسَى

نُلاحِظ أَن فِرْعَوْن لِمَ يَكِنّ يُسْأَل سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَنَّ رَبَّ العالَمِيْنَ أُو رَبَّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَسَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام بِقَصْد السُؤال البَرِيء وَالمَعْرِفَة . إِنَّما كَآن يَهْزَأ . وَلِقُدّ أَجابَهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِجابَة جامِعَة مانِعَة مُحَكَّمَة .

قالَ رُبّنا الَّذِي أُعْطَى كُلْ شَيْء خَلْقهُ ثُمَّ هَدَى

هُوَ الخالِق . خالِق الأَجْناس جَمِيعاً وَالذَوات جَمِيعاً . وَهُو هادِيها بِما رُكَب فِي فَطَرتِها وَجَبَلتُها مَن خواص تُهْدِيها لِأَسْباب عَيَّشَها . وَهُو المُوَجَّه لَها عَلَى أَي حال . وَهُو القابِض عَلَى ناصِيتها فِي كُلْ حال . وَهُو العَلِيم بِها وَالشاهِد عَلِيّها فِي جَمِيع الأَحْوال .

تُوحِي العِبارَة القُرْآنِيَّة بِهٰذا كُلّهُ وَأَكْثَر . فَتَأْمَل إِيجازها المُعْجِز .

رُبّنا الَّذِي أُعْطَى كُلْ شَيْء خَلْقهُ ثُمَّ هَدَى

ٱِنْزَلَقتُ العِبارَة عَلَى ذِهْن فِرْعَوْن السَمِيك مِثْلَما تَنْزَلِق قَطْرَة مَن الزِئْبَق عَلَى سَطَحَ مَن الزُجاج . لِمَ تُتَرِّك أَثَرا أُو عَلامَة . وَها هُوَ ذا فِرْعَوْن يُسْأَل : (فَما بال القُرُون الأُولى ) لِمَ تَعَبَّدَ رَبَكَ هٰذا ؟

لِمَ يَزُل فِرْعَوْن ماضِياً فِي استكباره وَٱِسْتِهْزائهُ . وَيَرُدّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام رَدّا يَسْتَلْفِتهُ إِلَى أَن القُرُون الأُولى آلَتَيْ لِمَ تَعَبَّدَ اللّٰه ، وَالَّتِي عَبَدَتهُ مَعاً ، لَن تُتَرِّك بِغَيْر مُساءَلَة وَجَزاء . كُلْ شَيْء مَعْلُوم عَنِدَ اللّٰه تَعالَىْ . هٰذِهِ القُرُون الأُولى (عِلْمها عَنِدَ رَبَّيْيَ فِي كُتّاب ). أُحْصَى اللّٰه ما عَمِلُوهُ فِي كُتّاب . (لا يَضِلّ رَبَّيْيَ ). أَي لا يَغِيب عَنهُ شَيْء . (وَلا يُنْسَى ). أَي لا يَغِيب عَنَّ شَيْء . لِيُطَمْئِننَ الفِرْعَوْن بالاً مَن ناحِيَة القُرُون الأُولى وَالأَخِيرَة وَما بَيْنَهُما . إِن اللّٰه يُعْرَف كُلْ شَيْء وَيُسَجَّل عَلِيّها ما عَمِلتِهُ وَلا يَضِيع شَيْئا مَن أُجُورهُم .

عاد سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام يَكْمَل حَدِيثهُ عَنَّ رَبّهُ .

الَّذِي جَعَلَ لِكَم الأَرْض مَهْداً وَسَلّكِ لِكَم فِيها سَبَلاً وَأَنْزَلَ مَن السَماء ماء فَأَخْرَجَنا بِهِ أَزْواجاً مَن نُبات شَتَّى (53) كُلُوا وَأَرْعَوْا أَنْعامكُم إِن فِي ذُلّكَ لِآيات لِأَوَّلِيّ النُهَى (54) مِنها خَلَقناكُم وَفِيّها نُعِيدكُم وَمِنها نُخْرِجكُم تارَةً أُخْرى

أَسْتَلْفِت سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام نَظَر فِرْعَوْن إِلَى آيات اللّٰه فِي الكَوْن . وَدارَ بِهِ مَعَ حَرَكَة الرِياح وَالمَطَر وَالنَبات وَأُوَصِّلهُ مَرَّة ثانِيَة إِلَى الأَرْض ، وَهْناكِ أُفَهِّمهُ أَن اللّٰه خُلْق الإِنْسان مَن الأَرْض ، وَسَيُعَيِّدهُ إِلَيها بِالمَوْت ، وَيُخَرِّجهُ مِنها بِالبَعْث ، إِن هُناكَ بَعَثا إِذْن . وَسَيَقُفّ كُلْ إِنْسان يَوْم القِيامَة أَمامَ اللّٰه تَعالَىْ . لا ٱِسْتِثْناء لِأَحَدّ . سَيَقِف كُلْ عَبّاد اللّٰه وَخِلَقهُ أَمامَهُ يَوْم القِيامَة . بِما فِي ذُلّكَ الفِرْعَوْن . بِهٰذا جاءَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مُبَشِّراً وَمُنْذِرا .

لِمَ يُعْجِب فِرْعَوْن هٰذا النَذِير ، وَتَصاعَدَ الحِوار بِيِنهُ وَبَيِّن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . فَالطُغْيان لا يَخْشَى شَيْئا كَخَشْيتهُ يَقُظَة الشُعُوب ، وَصَحْوَة القَلُوب ؛ وَلا يَكُرّهُ أَحَداً كَمّا يَكُرّهُ الداعِيْنَ إِلَى الوَعْي وَاليَقِظَة ؛ وَلا يَنْقَم عَلَى أَحُدّ كَمّا يَنْقَم عَلَى مَن يَهُزُّونَ الضَمائِر الغافِيَة . لَذُلّكَ هاجَ فِرْعَوْن عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وِثار ، وَأُنْهَى الحِوار مَعَهُ بِالتَهْدِيد الصَرِيح . وَهٰذا هُوَ سِلاح الطُغاَة عِنْدَما يَفْتَقِرُونَ لِللَحَج وَالبَراهِين وَالمِنْطَق .

قالَ لَئِنَّ ٱِتَّخَذتِ إِلٰها غَيْرِي لأجعلنك مَن المَسْجُونَيْنِ

إِلّا أَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – لِمَ يُفْقِد رِباطَة جَأْشهُ . كَيْفَ يُفْقِدها وَهُو رَسُول اللّٰه ، وَاللّٰه مَعَهُ وَمَعَ أَخِيهُ ؟ وَبَدَأَ الإِقْناع بِأُسْلُوب جَدِيد ، وَهُو إِظْهار المُعْجِزَة (قالَ أَوَّلُو جِئتُكَ بِشَيْء مُبَيِّن ) فَهُوَ يَتَحَدَّى فِرْعَوْن ، وَيُحْرِجهُ أَمامَ مَلَأَهُ ، فِلْو رَفَضَ فِرْعَوْن الإِصْغاء ، سَيَظْهَر واضِحاً إِنَّهُ خائِف مَن حِجَّة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام (قالَ فأت بِهِ إِن كُنتِ مَن الصادِقَيْنِ ).

أُلْقَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَصّاهُ فِي رَدْهَة القَصْر العَظِيمَة . لِمَ تُكَدّ العَصا تَلْمِس الأَرْض حَتَّى تَحَوَّلَت إِلَى ثُعْبان هائِل يَتَحَرَّك بِسُرْعَة . ثُمَّ أُدْخِل يَدهُ فِي جَيْبهُ وَأُخَرِّجها فَإِذا هِيَ بَيْضاء كَالقَمَر . قالَ تَعالَىْ :

فَأَلْقَى عَصّاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبان مُبَيِّن (32) وَنَزَعَ يَدهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاء لِلناظِرِيْنَ (33)

وَتَبْدَأ الجَوْلَة الثانِيَة بَيَّننَ أُلْحَق وَالباطِل . حَيْثُ شاوَرَ فِرْعَوْن المَلَأ مَن حَوْلِهِ :

قالَ للملإ حَوْلِهِ إِن هٰذا لِساحِر عَلِيم (34) يُرِيد أَن يُخَرِّجكُم مَن أَرَّضَكُم بِسِحْرهُ فَماذا تَأْمُرُونَ (35)

وَالمَلَأ لَهِمَ مَصْلَحَة فِي أَن تُبْقَى الأُمُور عَلَى ما هِيَ عَلِيّهُ ، فَهِمَ مُقَرَّبُونَ مَن فِرْعَوْن ، وَلِهَمّ نُفُوذ وَسُلْطان . فَأَشارُوا أَن يَرِد عَلَى سَحْر سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بِسَحْر مِثْلهُ ، بَعُدَ التَهْيِئَة وَالٱِسْتِعْداد :

قالُوا أَرْجهُ وَأَخاهُ وَأَبْعَث فِي المَدائِن حاشرين (36) يَأْتُوكِ بِكُلّ سَحّار عَلِيم (37)

حَدَّدَ المِيقات ، وَهُو يَوْم الزِينَة (مَوْعِدكُم يَوْم الزِينَة وَإِن يَحْشُر الناس ضُحَى ). وَبَدَأتُ حَرَكَة إِعْداد الجَماهِير وتحميسهم (وَقِيلَ لِلناس هَل أَنْتُم مُجْتَمِعُونَ (39) لَعْلنا نَتْبَع السحرة إِن كانُوا هَمّ الغالِبَيْنِ (40)) هَل لِكَم فِي التَجَمُّع وَعَدِمَ عَنَّ المَوْعِد ، لِيَتَرَقَّب فَوَزّ السحرة وَغَلَبتَهُم عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام الإِسْرائِيلِيّ ! وَالجَماهِير دائِماً تَتَجَمَّع لَمِثْل هٰذِهِ الأُمُور .

أُمّاً السحرة، فَقَد ذَهَبُوا لَفِرْعَوْن ليطمئنون عَلَى الأَجْر وَالمُكافَأَة (فِلْماً جاءَ السحرة قالُوا لَفِرْعَوْن أئن لَنا لَأَجَرا إِن كُننا نُحنَ الغالِبَيْنِ (41) قالَ نِعَم وَإِنَّكُم إِذاً لِمَن المُقَرَّبَيْنِ (42)) فَهِمَ جَماعَة مَأْجُورَة ، تَبَذَّلَ مِهارتها مُقابِل الأَجْر الَّذِي تَنْتَظِرهُ ؛ وَلا عَلاقَة لَها بِعَقِيدَة وَلا صِلَة لَها بِقَضِيَّة ، وَلا شَيْء سِوَى الأَجْر وَالمَصْلَحَة . وَهُم هَمّ ألاء يَسْتَوْثِقُونَ مَن الجَزاء عَلَى تُعَبّهُم وَلَعِبَهُم وَبَراعتهُم فِي الخِداع . وَها هُوَ ذا فِرْعَوْن يُعِدّهُم بِما هُوَ أُكْثِر مَن الأَجْر . يُعِدّهُم أَن يَكُونُوا مَن المُقَرَّبَيْنِ إِلَيهِ . وَهُو بِزَعْمهُ المَلِك وَالإِلٰه !

وَفِيّ ساحَة المُواجَهَة . وَالناس مُجْتَمِعُونَ ، وَفِرْعَوْن يَنْظُر . حَضَرَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَأَخاهُ سَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام عَلَيهِما السَلام ، وَحَضَرَ السحرة وَفِيّ أَيْدِيهُم كُلْ ما أَتْقَنُوهُ مَن أَلْعاب وَحَيْل ، وَكَلَهْم ثِقَة بِفَوْزهُم فِي هٰذا التَحَدِّي . لُذّاً بدءوا بِتَخْيِير سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام : (أَمّا أَن تُلْقِي وَأَمّا أَن نَكُون أَوَّلَ مَن أُلْقَى ) وَتَتَجَلَّى ثِقَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – فِي الجانِب الآخَر وَٱِسْتِهانتهُ بِالتَحَدِّي (بَلّ أَلْقَوْا ) فَرَمَى السحرة عَصِيّهُم وَحِبالهُم بِعِزَّة فِرْعَوْن (فَأَلَقُوا حِبالهُم وَعَصِيّهُم وَقالُوا بِعِزَّة فِرْعَوْن إِنّا لَنُحنَ الغالبون).

رَمَى السحرة بِعَصِيّهُم وَحِبالهُم فَإِذا المَكان يَمْتَلِئ بِالثَعابِين فَجْأَةً .

سَحَرُوا أُعَيِّن الناس واسترهبوهم وَجاءُوا بِسَحْر عَظِيم

وَحَسْبنا أَن يُقْرِر القُرْآن الكرِيم إِنَّهُ سَحْر عَظِيم (وَجاءُوا بِسَحْر عَظِيم )، لِنُدِرّكَ أَي سَحْر كَآن . وَحَسْبنا أَن نُعْلَم أَنَّهُم (سَحَرُوا أُعَيِّن الناس ) وَأَثارُوا الرَهْبَة فِي قُلُوبهُم (واسترهبوهم) لِنَتَصَوَّر أَي سَحْر كَآن . فَنَظَرَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَلِيّهُ السَلام إِلَى حِبال السحرة وَعَصِيّهُم وَشَعْر بِالخَوْف .

فَأُوجَس فِي نَفْسهُ خِيفَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام

فِي هٰذِهِ اللَحْظَة ، يُذَكِّرهُ رَبّهُ بِأَن مَعَهُ القُوَّة الكُبْرى :

لا تَخْفَ إِنَّكِ أَنْتَ الأَعْلَى (68) وَأَلَقَ ما فِي يَمِينكِ تَلْقَف ما صَنَّعُوا إِنَّما صَنَّعُوا كَيْد ساحِر وَلا يَفْلَح الساحِر حَيْثُ أَتَى (69)

لا تَخْفَ إِنَّكِ أَنْتَ الأَعْلَى . فَمَعَكَ أُلْحَق وَمَعَهُم الباطِل . مَعَكَ العُقَيْدَة وَمَعَهُم الحِرْفَة . مَعَكَ الإِيمان بِصِدْق الَّذِي دَفْعكِ لِما أَنْتَ فِيهِ وَمَعَهُم الأَجْر عَلَى المُباراَة وَمَغانِم الحَياَة . أَنْتَ مُتَّصِل بِالقُوَّة الكُبْرى وَهُم يَخْدُمُونَ مَخْلُوقا بَشَرِيّا فانِياً مَهْما يَكِنّ طاغِيَة جَبّاراً . لا تَخْفَ (وَأَلَقَ ما فِي يَمِينكِ ) وَسَتَهْزِمهُم ، فَهُوَ سَحْر مَن تَدْبِير ساحِر وَعَمِلَهُ . وَالساحِر لا يَفْلَح أَنَّى ذَهَّبَ وَفِيّ أَي طَرِيق سار ، لِأَنَّهُ يُعْتَمَد عَلَى الخَيّال وَالإِيهام وَالخِداع ، وَلا يُعْتَمَد عَلَى حَقِيقَة ثابِتَة باقِيَة .

ٱِطْمَأَنَّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَرَفَّعَ عَصّاهُ وَأَلَقاها . لِمَ تُكَدّ عَصاً سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام تُلامِس الأَرْض حَتَّى وَقَعتَ المُعْجِزَة الكُبْرى . وَضَخامَة المُعْجِزَة حَوَّلتَ مَشاعِر وَوِجْدان السحرة، الَّذِينَ جاءُوا لِلمُباراَة وَهُم أَحْرِص الناس عَلَى الفَوْز لَنَيْل الأَجْر . الَّذِي بَلَغتَ بَراعتهُم لَحَد أَن يُشْعِر سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بِالخَوْف مَن عَمِلَهُم . تَحَوَّلَت مَشاعِرهُم بِحَيْثُ لِمَ يُسْعِفهُم الكَلام لِلتَعْبِير :

فَأُلْقِي السحرة سُجَّداً قالُوا آمِناً بِرَبّ سَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام وَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام (70)

إِنَّها صَوْلَة أُلْحَق فِي الضَمائِر . وَنُوَرّ أُلْحَق فِي المَشاعِر ، وَلِمَسَّة أُلْحَق فِي لِلقُلُوب المُهَيَّأَة لِتُلْقِي أُلْحَق وَالنُور وَاليَقِين . إِن السحرة هَمّ أُعَلِّم الناس بِحَقِيقَة فَنَهِمَ ، وَمُدَى ما يُمْكِننَ أَن يُبْلِغ إِلَيهِ . وَهُم أُعَرِّف الناس بالذي جاءَ بِهِ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . فَهِمَ أُعَلِّم إِن كَآن هٰذا مَن عَمَل بِشْر أُو ساحِر ، أُو إِنَّهُ مَن القِدْرَة آلَتَيْ تَفَوُّق قُدْرَة البَشَر وَالسِحْر . وَالعالَم فِي فَنّهُ هُوَ أُكْثِر الناس ٱِسْتِعْداداً لِلتَسْلِيم بِالحَقِيقَة حِينَ تَتَكَشَّف لَهُ ، لِأَنَّهُ أَقْرَب إِدْراكا لِهٰذِهِ الحَقِيقَة ، مِنمَن لا يُعَرِّفُونَ فِي هٰذا الفَنّ إِلّا القُشُور . وَمِن هُنا تَحُول السحرة مَن التَحَدِّي السافِر إِلَى التَسْلِيم المُطْلَق ، الَّذِي يُجَدِّدُونَ بِرِهانهُ فِي أَنْفَسهُم عَنَّ يَقِين .

هَزَّت هٰذِهِ المُفاجَأَة العَرْش مَن تَحْتِهِ . مُفاجَأَة ٱِسْتِسْلام السحرة -وَهُم مَن كَهَنَة المَعابِد – لِرُبّ العالَمِيْنَ . رَبَّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَسَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام . بَعُدَ أَن تَمَّ جَمْعهُم لَإِبْطال دَعْوَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَسَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام لِرُبّ العالَمِيْنَ ! وَلِأَن العَرْش وَالسُلْطان أَهِم شَيْء فِي حَيّات الطَواغِيت ، فَهِمَ مُسْتَعِدُّونَ لِٱِرْتِكاب أَي جَرِيمَة فِي سَبِيل المُحافِظَة عَلَيهِما .

قالَ فِرْعَوْن آمَنتُم بِهِ قَبِلَ أَن آذَنَ لِكَم إِن هَـذَا لِمَكَرّ مَكَرتُمهُ فِي المَدِينَة لِتَخْرُجُوا مِنها أَهْلها فَسَوْفَ تُعَلِّمُونَ (123) لَأَقْطَعنَ أَيْدِيكُم وَأُرَجِّلكُم مَن خِلاف ثُمَّ لأصلبنكم أَجْمَعَيْنِ (124) قالُوا إِنّا إِلَى رُبّنا منقلبون (125) وَما تَنْقَم مِنّا إِلّا أَن آمِناً بِآيات رُبّنا لِما جاءَتنا رُبّنا أَفْرُغ عَلِيّنا صَبَّرا وَتُوفنا مُسْلِمِيْنَ (126)

تُسائِل فِرْعَوْن مُسْتَغْرَباً (آمَنتُم بِهِ قَبِلَ أَن آذَنَ لِكَم ) كَأَنَّما كَآن عَلَيهِم أَن يَسْتَأْذِنُوهُ فِي أَن يُعَوِّدُوا لَلَحَق . لَكَنّهُ طاغِيَة مُتَكَبِّر مُتَجَبِّر أُعَمَّى السُلْطان عَيْنَيْهُ عَنَّ أُلْحَق .  وَيُزَيِّد فِي طُغْيانهُ فَيَقُول (ن هَـذَا لِمَكَرّ مَكَرتُمهُ فِي المَدِينَة لِتَخْرُجُوا مِنها أَهْلها ) إِن غَلَبَتهُ لِكَم فِي يَوْمكُم هٰذا إِنَّما كَآن عَنَّ تُشاوِر مِنكُم وَرِضا مِنكُم لَذُلّكَ ، وَهُو يُعَلِّم وَكُلّ مَن لَهُ عَقْل أَن هٰذا الَّذِي قالَهُ مَن أَبْطُل الباطِل . وَيَظَلّ الطاغِيَة يَتَهَدَّد (فَسَوْفَ تُعَلِّمُونَ ) وَيَتَوَعَّد (لَأَقْطَعنَ أَيْدِيكُم وَأُرَجِّلكُم مَن خِلاف ثُمَّ لأصلبنكم أَجْمَعَيْنِ ) لَكَنّ النَفْس البَشَرِيَّة حِينَ تَسْتَيْقِن حَقِيقَة الإِيمان ، تَسْتَعْلِي عَلَى قُوَّة الأَرْض ، وَتَسْتَهِين بِبَأْس الطُغاَة ، وَتَنْتَصِر فِيها العُقَيْدَة عَلَى الحَياَة , وَتَخْتار الخُلُود الدائِم عَلَى الحَياَة الفانِيَة . (قالُوا إِنّا إِلَى رُبّنا منقلبون) إِنَّهُ الإِيمان الَّذِي لا يَتَزَعْزَع وَلا يَخْضَع .

وَيَعُلنَ السحرة حَقِيقَة المَعْرَكَة (وَما تَنْقَم مِنّا إِلّا أَن آمِناً بِآيات رُبّنا لِما جاءَتنا ) فَلا يَطْلُبُونَ الصَفْح وَالعَفْو مَن عَدُّوهُم ، إِنَّما يَطْلُبُونَ الثَبات وَالصَبْر مَن رُبّهُم (رُبّنا أَفْرُغ عَلِيّنا صَبَّرا وَتُوفنا مُسْلِمِيْنَ ). فَيُقَفّ الطُغْيان عاجِزا أُمّاً هٰذا الوَعْي وَهٰذا الٱِطْمِئْنان . عاجِزا عَنَّ رَدَّ هٰؤُلاءِ المُؤَمِّنَيْنِ لِطَرِيق الباطِل مَن جَدِيد . فَيُنْفِذ تَهْدِيدهُ ، وَيَصْلُبهُم عَلَى جُذُوع النَخْل .

وَتَبْدَأ جَوْلَة جَدِيدَة بَيَّننَ أُلْحَق وَالباطِل . فَيُرَوِّي لَنا اللّٰه تَآمَرَ المَلَأ عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ فِي سُورَة الأَعْراف :

وَقالَ المَلَأ مَن قَوْم فِرْعَوْن أَتَذَرّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ لِيَفْسُدُوا فِي الأَرْض وَيَذَركِ وَآلِهتكِ قالَ سَنُقْتَل أَبْناءهُم وَنَسْتَحْيِـي نِساءهُم وَإِنّا فَوْقِهِم قاهرون (127)

فهاهم قِلِّيَّة القَوْم مَن المِصْرِيِّيْنَ ، يَتَآمَرُونَ وَيَحْرِضُونَ فِرْعَوْن وَيُهِيجُونَهُ عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمِن آمَنَ مَعَهُ ، وَيُخَوِّفُونَهُ مَن عاقِبَة التَهاوُن مَعَهُم . وَهُم يَرَُونَ الدَعْوَة إِلَى رُبُوبِيَّة اللّٰه وَحْدَة إِفْساداً فِي الأَرْض . حَيْثُ يَتَرَتَّب عَلِيّها بَطَلانِ شَرْعِيَّة حَكَمَ فِرْعَوْن وَنِظامهُ كُلّهُ . وَقَّدَ كَآن فِرْعَوْن يَسْتَمِدّ قَوَّتتِهُ مَن دَيّانتهُم الباطِلَة ، حَيْثُ كَآن فِرْعَوْن أَبَننَ الآلِهَة . فَإِنَّ عَبَدَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمِن مَعَهُ اللّٰه رَبَّ العالَمِيْنَ ، لَن تَكُون لَفِرْعَوْن أَي سَطْوَة عَلَيهِم . فَٱِسْتَثارَت هٰذِهِ الكَلِمات فِرْعَوْن ، وَأَشْعَرتَهُ بِالخَطِر الحَقِيقِيّ عَلَى نِظامهُ كُلّهُ فَفِكْر بِوَحْشِيّتهُ المُعْتادَة وَقَرَّرَ (قالَ سَنُقْتَل أَبْناءهُم وَنَسْتَحْيِـي نِساءهُم وَإِنّا فَوْقِهِم قاهرون).

لِمَ يَكِنّ هٰذا التَنْكِيل الوَحْشِيّ جَدِيدا عَلَى بُنِّي إِسْرائِيل . فَقَد نَفَذَ عَلَيهِم هٰذا الحُكْم فِي إِبّان مَوْلِد سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَلِيّهُ السَلام . فَبَدَأَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – يُوَصِّي قَوْمهُ بِٱِحْتِمال الفِتْنَة ، وَالصَبْر عَلَى البَلِيَّة ، وَالٱِسْتِعانَة بِاللّٰه عَلِيّها . وَإِن الأَرْض لِاللّٰه يُورِثها مَن يَشاء مَن عِبادهُ . وَالعاقِبَة لِمَن يَتْقِي اللّٰه وَلا يَخْشَى أَحَداً سِواهُ (قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِقَوْمهُ استعينوا بِاللّٰه واصبروا إِن الأَرْض لِاللّٰه يُورِثها مَن يَشاء مَن عِبادهُ وَالعاقِبَة لِلمُتَّقِيْنَ ).

إِلّا أَن قَوْمهُ بدءوا يَشْتَكُونَ مَن العَذاب الَّذِي حَلَّ بِهِم (قالُوا أوذينا مَن قَبِلَ أَن تَأْتِينا وَمِن بَعُدَ ما جِئتِنا ) إِنَّها كَلِمات ذات ظَلَّ ! وَإِنَّها لِتَشِي بِما وَراءها مَن تَبْرُم ! أوذينا قَبِلَ مَجِيئكِ وَما تَغَيَّرَ شَيْء بِمَجِيئكِ . وَطالَ هٰذا الأَذَى حَتَّى ما تَبْدُو لَهُ نِهايَة ! فَيَمْضِي النَبِيّ الكرِيم عَلَى نُهَجّهُ . يُذَكِّرهُم بِاللّٰه ، وَيَعْلَق رَجاءهُم بِهِ ، وَيَلُوح لَهِمَ بِالأَمَل فِي هَلّاكِ عَدُّوهُم . واستخلافهم فِي الأَرْض . مَعَ التَحْذِير مَن فِتْنَة الاستخلاف، فاستخلاف اللّٰه لَهِمَ إِنَّما هُوَ ٱِبْتِلاء لَهِمَ ، فَهُوَ استخلاف لِلٱِمْتِحان : (قالَ عَسَى رُبّكُم أَن يُهْلِك عَدُّوكُم وَيَسْتَخْلِفكُم فِي الأَرْض فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ ).

وَيَنْقُلنا القُرْآن الكرِيم إِلَى فَصَلَ آخَر مَن قَصَّة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَلِيّهُ السَلام . وَمَشْهَد آخَر مَن مُشاهِد المُواجَهَة بَيَّننَ أُلْحَق وَالباطِل . حَيْثُ يَحْكِي لِما قَصَّة تُشاوِر فِرْعَوْن مَعَ المَلَأ فِي قُتِلَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . فَيَقُول اللّٰه تَعالَىْ فِي سُورَة غافر:

وَقالَ فِرْعَوْن ذَرُونِي أُقْتَل سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَلِيَدَّع رَبّهُ إِنِّي أُخاف أَن يَبْدُل دِينكُم أُو أَن يُظَهِّر فِي الأَرْض الفَساد

أُمّاً سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَلِيّهُ السَلام فَٱِلْتَجَأَ إِلَى الرُكْن الرَكِين ، وَالحِصْن الحُصَيْن ، وَلاذَ بِحامِييَ اللائِذِيْنَ ، وَمُجِير المستجيرين (وَقالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِنِّي عُذتُ بِرَبَّيْ وَرُبّكُم مَن كُلْ مُتَكَبِّر لا يُؤَمِّننَ بِيَوْم الحِساب ).

كادَت فِكْرَة فِرْعَوْن أَن تَحْصُل عَلَى التَصْدِيق لَوْلا رَجُل مَن آل فِرْعَوْن . رَجُل مَن رِجال الدَوْلَة الكِبار ، لا يَذْكُر القُرْآن ٱِسْمهُ ، لِأَنَّ ٱِسْمهُ لا يَهُمّ ، لِمَ يَذْكُر صُفّتهُ أَيْضاً لِأَنَّ صُفّتهُ لا تُعِنِي شَيْئا ، إِنَّما ذَكَّرَ القُرْآن إِنَّهُ رَجُل مُؤْمِن . ذَكَرهُ بِالصُفَّة آلَتَيْ لا قِيمَة لَأْي صِفَة بِعَدّها .

تَحَدُّث هٰذا الرَجُل المُؤْمِن ، وَكانَ (يُكَتِّم إِيمانهُ )، تَحَدُّث فِي الٱِجْتِماع الَّذِي طُرِحتِ فِيهِ فِكْرَة قُتِلَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَأَثْبُت عُقْم الفِكْرَة وَسَطْحِيّتها . قالَ إِن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِمَ يَقْل أُكْثِر مَن أَن اللّٰه رَبّهُ ، وَجاءَ بَعُدَ ذُلّكَ بِالأَدِلَّة الواضِحَة عَلَى كَوَّننَهُ رَسُولاً ، وَهْناكِ ٱِحْتِمالانِ لا ثالِث لَهْماً : أَن يَكُون سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام كاذِبا ، أُو يَكُون صادَقا ، فَإِذا كَآن كاذِبا (فِعْلِيّهُ كِذْبهُ )، وَهُو لِمَ يَقْل وَلَم يَفْعَل ما يَسْتَوْجِب قَتَّلَهُ . وَإِذا كَآن صادَقا وَقَتَّلناهُ ، فَما هُوَ الضَمان مَن نَجاتنا مَن العَذاب الَّذِي يَعْدنا بِهِ ؟

تَحَدُّث المُؤْمِن الَّذِي يُكَتِّم إِيمانهُ فَقالَ لِقَوْمهُ : إِنَّنا اليَوْم فِي مَراكِز الحُكْم وَالقُوَّة . مَن يُنَصِّرنا مَن بَأَسَ اللّٰه إِذاً جاءَ ؟ وَمِن يَنْقُذنا مَن عُقُوبتهُ إِذاً حَلَّت ؟ إِن إِسْرافنا وَكَذَّبنا قُدّ يَضِيعانِنا .

وَبَدَت كَلِماتهُ مُقْنِعَة . إِنَّهُ رَجُل لَيِسَ مُتتَهُما فِي وَلائهُ لَفِرْعَوْن . وَهُو لَيِسَ مَن أَتْباع سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . وَالمَفْرُوض إِنَّهُ يَتَكَلَّم بِدافِع الحِرْص عَلَى عَرْش الفِرْعَوْن . وَلا شَيْء يَسْقُط العُرُوش كَالكِذْب وَالإِسْراف وَقُتِلَ الأَبْرِياء .

وَمِن هٰذا المَوْضِع ٱِسْتَمَدَّت كَلِمات الرَجُل المُؤْمِن قُوتها . بِالنِسْبَة إِلَى فِرْعَوْن وَوُزَرائهُ وَرِجالهُ . وَرَغْم أَن فِرْعَوْن وَجَدّ فَكَّرتِهُ فِي قُتِلَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ، صَرِيعَة عَلَى المائِدَة . رَغْم تَخْوِيف الرَجُل المُؤْمِن لَفِرْعَوْن . رَغْم ذُلّكَ قالَ الفِرْعَوْن كَلِمتهُ التارِيخِيَّة آلَتَيْ ذَهَبتَ مَثَّلا بَعْدَهُ لِكُلّ الطُغاَة .

قالَ فِرْعَوْن ما أَريكُم إِلّا ما أَرَى وَما أَهْدِيكُم إِلّا سَبِيل الرَشاد

هٰذِهِ كَلِمَّة الطُغاَة دائِماً حِينَ يُواجِهُونَ شُعُوبهُم (ما أَريكُم إِلّا ما أَرَى ). هٰذا رَأْينا الخاصّ ، وَهُو رَأْي يَهْدِيكُم سَبِيل الرَشاد . وَكُلّ رَأْي غَيَّرَهُ خاطِئ . وَيَنْبَغِي الوُقُوف ضِدّهُ وَٱِسْتِئْصالهُ . حَدَثنا اللّٰه عَنَّ هٰذا المَوْقِف فِي سُورَة غافر.

وَقالَ رَجُل مُؤْمِن مَن آل فِرْعَوْن يُكَتِّم إِيمانهُ أتقتلون رَجِلا أَن يَقُول رَبَّيْيَ اللّٰه وَقَّدَ جاءَكُم بِالبَيِّنات مَن رُبّكُم وَإِن يك كاذِبا فِعْلِيّهُ كِذْبهُ وَإِن يك صادَقا يَصْبكُم بِعَضّ الَّذِي يَعُدّكُم إِن اللّٰه لا يَهْدِي مَن هُوَ مُسْرِف كَذّاب (28) يا قَوْم لِكَم المَلِك اليَوْم ظاهِرَيْنِ فِي الأَرْض فَمِن يُنَصِّرنا مَن بَأَسَ اللّٰه إِن جاءَنا قالَ فِرْعَوْن ما أَريكُم إِلّا ما أَرَى وَما أَهْدِيكُم إِلّا سَبِيل الرَشاد

لِمَ تَتَوَقَّف المُناقَشَة عَنِدَ هٰذا الحَدّ . قالَ فِرْعَوْن كَلِمتهُ وَلِكُنْه لِمَ يُقَنِّع بِها الرَجُل المُؤْمِن . وَعاد الرَجُل المُؤْمِن يَتَحَدَّث :

وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْم إِنِّي أُخاف عَلَيكُم مِثْلَ يَوْم الأَحْزاب (30) مِثْلَ دَأَبَ قَوْم نَوْح وَعاد وثمود وَالَّذِينَ مَن بِعَدّهُم وَما اللّٰه يُرِيد ظُلْماً لِلعِباد (31) وَيا قَوْم إِنِّي أُخاف عَلَيكُم يَوْم التناد (32) يَوْم تُوَلُّونَ مُدَبِّرِيْنَ ما لِكَم مَن اللّٰه مَن عاصِم وَمِن يُضَلِّل اللّٰه فَما لَهُ مَن هاد (33) وَلِقُدّ جاءَكُم يُوسِف مَن قَبِلَ بِالبَيِّنات فَما زِلتُم فِي شَكّ مِنما جاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذاً هَلَكَ قُلتُم لَن يَبْعَث اللّٰه مَن بَعْدَهُ رَسُولاً كَذٰلِكَ يَضِلّ اللّٰه مَن هُوَ مُسْرِف مُرْتاب (34) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آيات اللّٰه بِغَيْر سُلْطان أَتاهُم كِبَر مَقُتا عَنِدَ اللّٰه وَعَنِدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذٰلِكَ يَطْبَع اللّٰه عَلَى كُلْ قَلَبَ مُتَكَبِّر جَبّار

إِن الرَجُل المُؤْمِن يُغَوِّص فِي حَدِيثهُ الأَخْيَر فِي أَعْماق التارِيخ وَهُو يُقَدَّم لَفِرْعَوْن وَقَوْمهُ أَدِلَّة كافِيَة عَلَى صِدْق سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . وَهُو يُحَذِّرهُم مَن المِساس بِهِ . لَقَد سَبَّقتِهُم أُمَم كَفَرتَ بِرَسْلها ، فَأَهْلِكها اللّٰه : قَوْم نَوْح ، قَوْم عاد ، قَوْم ثمود.

لِماذا نُذَهِّب بَعِيدا ؟ إِن تارِيخ مُصِرّ فِيهِ الدَلِيل عَلَى صِحَّة قَوْلهُ ، لَقَد جاءَ يُوسِف بِالبَيِّنات فَشَكَّ فِيهِ الناس ثُمَّ آمَنُوا بِهِ بَعُدَ أَن كادَت النَجاَة تَفَلَّت مِنهُم ، ما الغَرابَة فِي إِرْسال اللّٰه لِلرِسْل ؟ إِن التارِيخ القَدِيم يَنْبَغِي أَن يَكُون مَوْضِع نَظَر . لَقَد ٱِنْتَصَرَت القُلَّة المُؤَمِّنَة حِينَ أَصْبَحتِ مُؤَمَّنَة عَلَى الكَثْرَة الكافِرَة . وَسَحُقَ اللّٰه تَعالَىْ الكافِرَيْنِ . أُغْرِقهُم بِالطُوفان ، وَصَعَقهُم بِالصَرْخَة . أُو خَسَفَ بِهِم الأَرْض . ماذا نُنْتَظَر إِذْن ؟ وَمِن أَيَّننَ نُعْلَم أَن وُقُوفنا وَراء الفِرْعَوْن لَن يُضَيِّعنا وَيَهْلِكنا جَمِيعاً ؟

كَآن حَدِيث الرَجُل المُؤْمِن يَنْطَوِي عَلَى عَدِيد مَن التَحْذِيرات المُخِيفَة . وَيَبْدُو إِنَّهُ أُقْنِع الحاضِرَيْنِ بِأَن فِكْرَة قُتِلَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام فِكْرَة غَيَّرَ مَأْمُونَة العَواقِب . وَبِالتالِي فَلا داعِي لَها .

وَيُذْكِر لَنا اللّٰه تَعالَىْ فِي مَحّكُم آياتهُ رَدَّ فِرْعَوْن المُتَكَبِّر الظالِم :

وَقالَ فِرْعَوْن يا هامّانِ أَبَننَ لَيّ صَرَّحا لِعَلِيّ أَبْلُغ الأَسْباب (36) أَسْباب السَماوات فَأَطَّلِع إِلَى إِلٰه سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَإِنِّي لِأَظُنّهُ كاذِبا وَكَذٰلِكَ زَيَّننَ لَفِرْعَوْن سُوء عَمَلهُ وَصَدَّ عَنَّ السَبِيل وَما كَيْد فِرْعَوْن إِلّا فِي تباب (37)

مَرَّة أُخْرى يُحاوِل هٰذا الطاغِيَة أَن يَمُوه وَيُحاوِر ، كَي لا يُواجِه أُلْحَق جَهْرَةً ، وَلا يَعْتَرِف بِدَعْوَة الوَحْدانِيَّة آلَتَيْ تَهُزّ عَرَّشَهُ . وَبَعِيد عَنَّ ٱِحْتِمال أَن يَكُون هٰذا فَهِمَ فِرْعَوْن وَإِدْراكهُ . وَبَعِيداً أَن يَكُون جادّاً فِي البَحْث عَنَّ إِلٰه سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَلَى هٰذا النَحْو المادِّيّ الساذِج . وَقَّدَ بَلُغَ فَراعِنَة مُصِرّ مَن الثَقافَة حَدّاً يَبْعُد مَعَهُ هٰذا التَصَوُّر . وَإِنَّما هُوَ الٱِسْتِهْتار وَالسُخْرِيَّة مَن جِهَة . وَالتَظاهُر بِالإِنْصاف وَالتَثَبُّت مَن جِهَة أُخْرى .

بَعُدَ هٰذا الٱِسْتِهْتار ، وَهٰذا الإِصْرار ، أُلْقَى الرَجُل المُؤْمِن كَلِمتهُ الأَخِيرَة مُدَوِّيَة صَرِيحَة :

وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْم اتبعون أَهُدّكُم سَبِيل الرَشاد (38) يا قَوْم إِنَّما هٰذِهِ الحَياَة الدُنْيا مَتاع وَإِن الآخِرَة هِيَ دارَ القَرار (39) مَن عَمَل سَيِّئَة فَلا يُجْزَى إِلّا مِثْلَها وَمِن عَمَل صالِحاً مَن ذَكَّرَ أُو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِن فَأُولَئِكَ يُدْخَلُونَ الجَنَّة يَرْزُقُونَ فِيها بِغَيْر حِساب (40) وَيا قَوْم ما لَيّ أَدْعُوكُم إِلَى النَجاَة وَتَدَّعُونَنِي إِلَى النار (41) تَدَعُّونَنِي لَأَكْفَرَ بِاللّٰه وَأَشَركِ بِهِ ما لَيِسَ لَيّ بِهِ عَلَم وَأَنا أَدْعُوكُم إِلَى العَزِيز الغَفّار (42) لا جَرَمَ أنما تَدَعُّونَنِي إِلَيهِ لَيِسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُنْيا وَلا فِي الآخِرَة وَإِن مَرَّدَنا إِلَى اللّٰه وَإِن المُسْرِفَيْنِ هَمّ أَصْحاب النار (43) فَسَتُذْكِرُونَ ما أَقُول لِكَم وَأُفَوِّض أَمَرَّيْيَ إِلَى اللّٰه إِن اللّٰه بَصِير بِالعَبّاد (44)

أُنْهَى الرَجُل المُؤْمِن حَدِيثهُ بِهٰذِهِ الكَلِمات الشَجاعَة . بِعَدّها ٱِنْصَرَفَ . ٱِنْصَرَفَ فَتُحَوِّل الجالِسُونَ مَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِلَيهِ . بدءوا يَمْكُرُونَ لَهُ . بدءوا يَتَحَدَّثُونَ عَمّا صَدْر مِنْه . فَتَدَخَّلتِ عِنايَة اللّٰه تَعالَىْ (فَوَقاهُ اللّٰه سَيِّئات ما مَكَرُوا وَحاقَّ بِآل فِرْعَوْن سُوء العَذاب ) وَأَنْجَتهُ مَن فِرْعَوْن وَجُنُودهُ .

أُمّاً حال مُصِرّ فِي تَلّكِ الفَتْرَة . فَلِقُدّ مَضَى فِرْعَوْن فِي تَهْدِيدهُ ، فَقَتَلَ الرِجال واستحيا النِساء . وَظَلَّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ يَحْتَمِلُونَ العَذاب ، وَيَرُجُّونَ فَرَجَّ اللّٰه ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الٱِبْتِلاء . وَظَلَّ فِرْعَوْن فِي ظِلالهُ وَتَحْدِيهِ . فَتَدَخَّلتِ قُوَّة اللّٰه سُبْحانهُ وَتَعالَىْ ، وَهِيَ أُقَوَّى مَن أَي قَوَّى أَرْضِيَّة وَأَعْلَى :

وَلِقُدّ أَخَذنا آل فِرْعَوْن بِالسِنِيْنَ وَنَقَّصَ مَن الثَمَرات لَعْلهُم يُذْكَرُونَ (130) فَإِذا جاءَتهُم الحَسَنَة قالُوا لَنا هَـذِهِ وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَة يَطِيرُوا بِسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمِن مَعَهُ أَنلا إِنَّما طائِرهُم عَنِدَ اللّٰه وَلَـكِنَّ أُكَثِّرهُم لا يُعْلَمُونَ (131) وَقالُوا مَهْما تَأْتنا بِهِ مَن آيَة لِتَسْحَرنا بِها فَما نُحنَ لَكَ بِمُؤْمِنَيْنِ (132) فَأَرْسَلنا عَلَيهِم الطُوفان وَالجَراد وَالقَمَل وَالضَفادِع وَالدَمّ آيات مُفَصَّلات فَٱِسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِيْنَ

وِشاء اللّٰه تَعالَىْ أَن يَشْدُد عَلَى آل فِرْعَوْن . ٱِبْتِلاء لَهِمَ وَتَخْوِيفاً ، وَلِكَيّ يُصَرِّفهُم عَنَّ الكَيْد لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمِن آمَنَ مَعَهُ ، وَإِثْباتا لِنُبُوَّة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَصِدْقهُ فِي الوَقْت نَفْسهُ .  وَهٰكَذا سَلَّطَ عَلَى المِصْرِيِّيْنَ أَعْوام الجَدْب . أَجْدَبتَ الأَرْض وَشَّحَ النِيل وَنَقَصتَ الثِمار وَجاعَ الناس ، وَأَشْتَدّ القَحْط . لَكَنّ آل فِرْعَوْن لِمَ يُدْرَكُوا العَلاقَة بَيَّننَ كَفَرَهُم وَفَسَقَهُم وَبَيِّن بَغِيّهُم وَظُلْمهُم لِعِباد اللّٰه . فَأَخَذُوا يُعَلِّلُونَ الأَسْباب . فَعَنْدَماً تُصِيبهُم حَسَنَة ، يَقُولُونَ إِنَّها مَن حَسُنَ حَظّهُم وَإِنَّهُم يَسْتَحِقُّونَها . وَإِن أَصابَتهُم سَيِّئَة قالُوا هِيَ مَن شُؤْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمِن مَعَهُ عَلَيهِم ، وَإِنَّها مَن تَحُتّ رَأْسهُم !

وَأَخَّذتُهُم العِزَّة بِالإِثْم فَٱِعْتَقَدُوا أَن سَحْر سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام هُوَ المَسْئُول عَمّا أَصابَهُم مَن قَحَّطَ . وَصَوَّرَ لَهِمَ حُمْقهُم أَن هٰذا الجَدْب الَّذِي أُصاب أَرْضهُم ، آيَة جاءَ بِها سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِيُسَحِّرهُم بِها ، وَهِيَ آيَة لَن يُؤَمِّنُوا بِها مَهْما حَدَث .

فَشَدَّدَ اللّٰه عَلَيهِم لَعْلهُم يُرْجَعُونَ إِلَى اللّٰه ، وَيُطْلَقُونَ بُنِّي إِسْرائِيل وَيُرْسِلُونَهُم مَعَهُ . فَأُرْسِل عَلَيهِم الطُوفان ، وَالجَراد ، وَالقَمَل -وَهُو السُوس – وَالضَفادِع ، وَالدَمّ . وَلا يَذْكُر القُرْآن إِن كانَت جُمْلَةً واحِدَة ، أُمّ واحِدَة تَلْوَ الأُخْرى . وَتُذَكِّر بِعَضّ الرِوايات إِنَّها جاءَت مُتَتالِيَة وَحْدَة تَلْوَ الأُخْرى . إِلّا أَن أَلِمَهُم هُوَ طَلَب آل فِرْعَوْن مَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن يَدْعُو لَهِمَ رَبّهُ لِيُنْقِذهُم مَن هٰذا البَلاء . وبعدونه فِي كُلْ مَرَّة أَن يُرْسِلُوا بُنِّي إِسْرائِيل إِذاً أَنْجاهُم وَرَفَّعَ عَنهُم هٰذا البَلاء (قالُوا يا سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَدَعّ لَنا رَبَكَ بِما عَهْد عِنْدِكِ لَئِنَّ كَشَفتِ عَنا الرُجْز لنؤمنن لَكَ ولنرسلن مَعَكَ بُنِّي إسرآئيل).

فَكانَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – يَدْعُو اللّٰه بِأَن يُكْشَف عَنهُم العَذاب . وَما أَن يَنْكَشِف البَلاء حَتَّى يَنْقَضُّونَ عَهِدَهُم ، وَيَعُودُونَ إِلَى ما كانُوا فِيهِ (فِلْماً كُشِفنا عَنهُم الرُجْز إِلَى أَجَّلَ هَمّ بالِغُوهُ إِذاً هَمّ يَنْكِثُونَ ).

لِمَ يَهْتَد المِصْرِيُّونَ ، وَلَم يُوفُوا بِعُهُودهُم ، بَلّ عَلَى العَكْس مَن ذُلّكَ . خَرَجَ فِرْعَوْن لِقَوْمهُ ، وَأَعَلنَ إِنَّهُ إِلٰه . أَلْيَس لَهُ مَلَكَ مُصِرّ ، وَهٰذِهِ الأَنْهار تَجْرِي مَن تَحْتِهِ ، أَعْلَنَ أَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ساحِر كَذّاب . وَرِجْل فَقِير لا يَرْتَدِي أَسْوِرَة واحِدَة مَن الذَهَب .

قالَ تَعالَىْ فِي سُورَة الزُخْرُف :

وَلِقُدّ أَرْسَلنا سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بِآياتنا إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئهُ فَقالَ إِنِّي رَسُول رَبَّ العالَمِيْنَ (46) فِلْماً جاءَهُم بِآياتنا إِذاً هَمّ مِنها يُضْحِكُونَ (47) وَما نَرِيهُم مَن آيَة إِلّا هِيَ أَكْبَر مَن أُخْتها وَأَخَّذناهُم بِالعَذاب لَعْلهُم يُرْجَعُونَ (48) وَقالُوا يا أَيُّها الساحِر أَدَعّ لَنا رَبَكَ بِما عَهْد عِنْدِكِ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) فِلْماً كُشِفنا عَنهُم العَذاب إِذاً هَمّ يَنْكِثُونَ (50) وَنادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمهُ قالَ يا قَوْم أَلْيَس لَيّ مَلَكَ مُصِرّ وَهٰذِهِ الأَنْهار تَجْرِي مَن تَحُتِّي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أُمّ إِنّا خَيِّر مَن هٰذا الَّذِي هُوَ مَهِين وَلا يَكاد يُبِين (52) فَلَوْلا أَلَقِي عَلِيّهُ أَسْوِرَة مَن ذَهَّبَ أُو جاءَ مَعَهُ المَلائِكَة مُقْتَرِنَيْنِ (53) فَأَسْتَخْف قَوْمهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُم كانُوا قَوْماً فاسِقِيْنَ

أَنْظُر إِلَى التَعْبِير القُرْآنِيّ : (فَأَسْتَخْف قَوْمهُ فَأَطاعُوهُ ). أَسْتَخْف بِعَقُولهُم . وَٱِسْتَخَفَّ بِحَرِيّتهُم . وَٱِسْتَخَفَّ بِمُسْتَقْبِلهُم . وَٱِسْتَخَفَّ بِآدَمِيّتهُم . فَأَطاعُوهُ . أَلَيْسَت هٰذِهِ طاعَة غَرِيبَة . تَنْمَحِي الغَرابَة حِينَ نُعْلَم أَنَّهُم كانُوا قَوْماً فاسِقِيْنَ . إِن الفِسْق يُصَرِّف الإِنْسان عَنَّ الٱِلْتِفات لَمُسْتَقْبَلهُ وَمَصالِحهُ وَأُمُورهُ ، وَيُوَرِّدهُ الهُلاك . وَذُلّكِ ما وَقَّعَ لِقَوْم فِرْعَوْن .

يَقُول تَعالَىْ :

فِلْماً آسِفُونا ٱِنْتَقَمَنا مِنهُم فَأَغْرَقناهُم أَجْمَعَيْنِ (55) فَجَعَلناهُم سَلَفاً وَمِثْلاً لِلآخَرِيْنَ

بَدّا واضِحاً أَن فِرْعَوْن لَن يُؤَمِّننَ لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . وَلَن يَكْف عَنَّ تَعْذِيبهُ لِبَنِي إِسْرائِيل ، وَلَن يَكْف عَنَّ ٱِسْتِخْفافهُ بِقَوْمهُ . هُنالِكَ دَعّا سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَسَيِّدنا هارُون عِلْيَة السَلام عَلَى فِرْعَوْن .

وَقالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام رُبّنا إِنَّكِ آتَيتَ فِرْعَوْن وَمَلَأَهُ زِينَة وَأَمْوالاً فِي الحَياَة الدُنْيا رُبّنا لِيَضِلُّوا عَنَّ سَبِيلكَ رُبّنا أَطْمِس عَلَى أَمْوالهُم وَأُشَدَّد عَلَى قُلُوبهُم فَلا يُؤَمِّنُوا حَتَّى يَرَُوا العَذاب الأَلِيم (88) قالَ قُدّ أجيبت دَعَوتُكُما فاستقيما وَلا تتبعآن سَبِيل الَّذِينَ لا يُعْلَمُونَ (89)

لِمَ يَكِنّ قُدّ آمَنَ مَعَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام فَرِيق مَن قَوْمهُ ، وَقَّدَ بَيَّننَ اللّٰه تَعالَىْ ذُلّكَ فِي سُورَة يُونِس :

فَما آمَنَ لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِلّا ذَرِّيَّة مَن قَوْمهُ عَلَى خَوْف مَن فِرْعَوْن وَمَلْئهُم أَن يُفْتِننَهُم وَإِن فِرْعَوْن لَعالَ فِي الأَرْض وَإِنَّهُ لِمَن المُسْرِفَيْنِ

ٱِنْتَهَى الأَمْر ، وَأُوحِي إِلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن يُخَرِّج مَن مُصِرّ مَعَ بُنِّي إِسْرائِيل . وَإِن يُكَوِّر رَحِيلهُم لَيْلا ، بَعُدَ تَدْبِير وَتَنْظِيم لَأَمْر الرَحِيل . وَنَبَّأَهُ أَن فِرْعَوْن سَيَتَّبِعهُم بِجُنْدهُ ؛ وَأَمَرَهُ أَن يَقُوم قَوْمهُ إِلَى ساحِر البَحْر (وَهُو فِي الغالِب عَنِدَ ٱِلْتِقاء خَلِيج السُوَيْس بمطقة البُحَيْرات ).

وَبَلَّغتُ الأَخْبار فِرْعَوْن أَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام قُدّ صَحِبَ قَوْمهُ وَخَرَجَ . فَأُرْسِل أَوامِرهُ فِي مُدُن المَمْلَكَة لَحَشَّدَ جَيْش عَظِيم . لِيَدُركَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ ، وَيُفَسِّد عَلَيهِم تَدْبِيرهُم .

فَأُرْسِل فِرْعَوْن فِي المَدائِن حاشرين (53) إِن هٰؤُلاءِ لِشِرْذِمَة قليلون (54) وَإِنَّهُم لَنا لغائظون (55) وَإِنّا لَجَمِيع حاذرون (56)

إِن فِرْعَوْن هُنا يُعْلِننَ التَعْبِئَة العامَّة . وَهٰذا مَن شَأْنهُ أَن يَشْكُل صُورَة فِي الأَذْهان ، أَن سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ يُشْكِلُونَ خَطِراً فَعَلِيّ فِرْعَوْن وَمَلَّكَهُ ، فَيَكِف يَكُون إِلٰها مَن يَخْشَى فِئَة صَغِيرا يَعْبُدُونَ إِلٰه آخَر ؟! لَذُلّكَ كَآن لا بُدّ مَن تُهَوِّينَ الأَمْر وَذُلّكِ بِتَقْلِيل شَأْن قَوْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَحَجَمَهُم (إِن هٰؤُلاءِ لِشِرْذِمَة قليلون) لٰكِنَّنا نُطارِدهُم لِأَنْهَم أَغاظُونا ، وَعَلَى أَي حال ، فَنَحْنُ حذرون مُسْتَعِدُّونَ مُمْسِكُونَ بِزِمام الأُمُور .

وَقَبَّلَ أَن يَسْتَكْمِل القُرْآن الكرِيم عَرَضَ هٰذا المَشْهَد يُعَجِّل لَنا بِٱِسْتِعْراض العاقِبَة :

فَأَخْرَجناهُم مَن جَنّات وَعُيُون (57) وَكُنُوز وَمُقام كَرِيم (58) كَذٰلِكَ وَأَوْرَثناها بُنِّي إِسْرائِيل (59)

لَقَد خَرَّجُوا يُتْبَعُونَ خَطّاً سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَقَوْمهُ وَيَقُفُّونَ أَثُرّهُم . فَكانَ خُرُوجهُم هٰذا هُوَ الأَخْيَر . وَكانَ إِخْراجا لَهِمَ مَن كُلْ ما هَمّ فِيهِ مَن جَنّات وَعُيُون وَكُنُوز ؛ فِلْم يُعَوِّدُوا بِعَدّها لِهٰذا النَعِيم ! لَذُلّكَ يَذْكُر هٰذا المَصِير عُقْب خُرُوجهُم يَقْفُونَ أَثَّرَ المُؤَمِّنَيْنِ . تَعْجِيلاً بِالجِزاء عَلَى الظُلْم وَالبَطِر وَالبَغْي .

وَقَّفَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَمامَ البَحْر . وَبَدّا جَيْش الفِرْعَوْن يَقْتَرِب ، وَظَهَّرتُ أَعْلامهُ . وَٱِمْتَلَأَ قَوْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بِالرُعْب . كَآن المَوْقِف حَرِجاً وَخَطِيراً . إِن البَحْر أَمامهُم وَالعَدْو وَرائهُم وَلَيْسَ مَعَهُم سَفَن أُو أَدَوات لِعُبُور البَحْر ، كَمّا لَيِستَ أَمامهُم فُرْصَة واحِدَة لِلقِتال . إِنَّهُم مَجْمُوعَة مَن النِساء وَالأَطْفال وَالرِجال غَيَّرَ المُسَلَّحَيْنِ . سَيُذَبِّحهُم فِرْعَوْن عَنَّ آخَرهُم .

صَرَخَت بِعَضّ الأَصْوات مَن قَوْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام : سَيُدَرِّكنا فِرْعَوْن .

قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام : (كُلّاً إِن مَعْي رَبَّيْيَ سَيُهْدَينَ ).

لِمَ يَكِنّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام كَيْفَ سَتُكَوِّن النَجاَة ، لَكَنّ قَلْبهُ كَآن مُمْتَلِئاً بِالثِقَة بِرَبّهُ ، وَاليَقِين بِعَوْنهُ ، وَالتَأَكُّد مَن النَجاَة ، فَاللّٰه هُوَ اللَيّ يُوَجِّههُ وَيَرْعاهُ . وَفِيّ اللَحْظَة الأَخِيرَة ، يَجِيء الوَحْي مَن اللّٰه (فَأَوْحَينا إِلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن أُضْرَب بِعَصاكِ البَحْر ) فَضَرَّبَهُ ، فَوَقَعتِ المُعْجِزَة (فَٱِنْفَلَقَ فَكانَ كُلْ فَرَقَّ كَالطَوْد العَظِيم ) وَتُحَقِّقهُ المُسْتَحِيل فِي مِنْطَق الناس ، لَكَنّ اللّٰه إِن أَرادَ شَيْئا قالَ لَهُ كَنّ فَيُكَوِّن .

وَوَصَّلَ فِرْعَوْن إِلَى البَحْر . شاهَدَ هٰذِهِ المُعْجِزَة . شاهَدَ فِي البَحْر طَرِيقاً يابِساً يَشْقَهُ نِصْفَيْنِ . أَحِسّ فِرْعَوْن فَأَمَّرَ جَيْشهُ بِالتَقَدُّم . وَحِينِ ٱِنْتَهَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مَن عُبُور البَحْر . وَأُوحَى اللّٰه إِلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن يَتِركَ البَحْر عَلَى حالهُ (وَٱُتْرُكْ البَحْر رَهَوا إِنَّهُم جُنْد مُغْرِقُونَ ). وَكانَ اللّٰه تَعالَىْ قُدّ شاءَ إِغْراق الفِرْعَوْن . فَما أَن صار فِرْعَوْن وَجُنُودهُ فِي مُنْتَصَف البَحْر ، حَتَّى أَصْدُر اللّٰه أَمَرَهُ ، فَٱِنْطَبَقتِ الأَمْواج عَلَى فِرْعَوْن وَجَيَّشَهُ . وَغَرِقَ فِرْعَوْن وَجَيَّشَهُ . غَرِقَ العِناد وَنَجا الإِيمان بِاللّٰه .

وَلَمّا عايَنَ فِرْعَوْن الغَرَق ، وَلَم يُعِدّ يُمْلَك النَجاَة (قالَ آمَنتُ إِنَّهُ لا إِلِـهَ إِلّا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إِسْرائِيل وَأَنا مَن المُسْلِمِيْنَ ) سَقَطتَ عَنهُ كُلْ الأَقْنِعَة الزائِفَة ، وتضائل، فِلْم يَكْتَفِي بِأَن يُعْلِننَ إِيمانهُ ، بَلّ وَالٱِسْتِسْلام أَيْضاً (وَأَنا مَن المُسْلِمِيْنَ ) لَكَنّ بَلّاً فائِدَة ، فَلَيِسَ الآن وَقُتتَ ٱِخْتِيار ، بَعُدَ أَن سَبْق العَصِيّانِ والاستكبار (آلآن وَقَّدَ عَصَيتَ قَبِلَ وَكُنتُ مَن المُفْسِدَيْنِ ).

ٱِنْتَهَى وَقُتتَ التَوْبَة المُحَدَّد لَكَ وَهَلَّكتُ . ٱِنْتَهَى الأَمْر وَلا نَجاَة لَكَ . سَيَنْجُو جَسَّدَكِ وَحَّدَهُ . لَن تَأَكُّلهُ الأَسْماك ، وَلَيَّننَ يُحَمِّلهُ التَيّار بَعِيدا عَنَّ الناس ، بَلّ سَيَنْجُو جَسَّدَكِ لَتَكَوَّنَ آيَة لِمَن خَلَّفَكَ .

فَاليَوْم نُنْجِيكِ بِبُدُنكَ لَتَكَوَّنَ لِمَن خَلَّفَكَ آيَة وَإِن كَثِيراً مَن الناس عَنَّ آياتنا لَغافِلُونَ

أُسْدِل السَتّار عَلَى طُغْيان الفِرْعَوْن . وَلَفَظتَ الأَمْواج جَثَّتهُ إِلَى الشاطِئ . بَعُدَ ذُلّكَ . نَزْل السَتّار تَماماً عَنَّ المِصْرِيِّيْنَ . لا يُحْدِثنا القُرْآن الكرِيم عَمّا فَعَلُوهُ بَعُدَ سُقُوط نِظام الفِرْعَوْن وَغَرِقَهُ مَعَ جَيْشهُ . لا يُحْدِثنا عَنَّ رُدُود فَعَلَهُم بَعُدَ أَن دَمَرَ اللّٰه ما كَآن يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمهُ وَما كانُوا يَشِيدُونَ . يَسْكَت السِياق القُرْآنِيّ عَنهُم . وَيَسْتَبْعِدهُم تَماماً مَن التارِيخ وَالأَحْداث

الجزء الثالث من قصة سيدنا موسي

ويلتفت السياق إلى سيدنا موسي علية السلام وسيدنا هارون علية السلام. وماذا كان من أمر بني إسرائيل معهما. لقد مات فرعون مصر. غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل. ورغم موته، فقد ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهر الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد صنع فرعون في نفوس بني إسرائيل شيئا سندركه من الآيات بعد قليل. لقد عودهم الذل لغير الله. هزم أرواحهم، فانطووا شأن المهزومين على الإعجاب بمن هزمهم. أفسد فطرتهم فعذبوا سيدنا موسي علية السلام عذابا شديدا بالعناد والجهل.

كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في أذهانهم، حين مروا على قوم يعبدون الأصنام. وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، ويحمدوا الله أن هداهم للإيمان. بدلا من ذلك التفتوا إلى سيدنا موسي علية السلام وطلبوا منه أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس. وليس هناك أحد أحسن من أحد. أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم الحنين لأيام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم سيدنا موسي علية السلام إلى جهلهم هذا.

قال تعالى:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا سيدنا موسي علية السلام اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

انتهت المرحلة الأولى من مهمة سيدنا موسي علية السلام عليه السلام، وهي تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده. والسير بهم إلى الديار المقدسة. لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الأرض بدين الله. وكان الاختبار الأول أكبر دليل على ذلك. فما أن رأوا قوما يعبدون صنما، حتى اهتزت عقيدة التوحيد في نفوسهم، وطلبوا من سيدنا موسي علية السلام أن يجعل لهم وثنا يعبدوه. فكان لا بد من رسالة مفصلة لتربية هذه الأمة وإعدادها لما هم مقبلون عليه. من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده سيدنا موسي علية السلام ليلقاه. وكانت هذه المواعدة إعداد لنفس سيدنا موسي علية السلام ليتهيأ للموقف الهائل العظيم.

وَوَاعَدْنَا سيدنا موسي علية السلام ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ سيدنا موسي علية السلام لأَخِيهِ سيدنا هارون علية السلام اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

كانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيف إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة. يروض سيدنا موسي علية السلام فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض؛ فتصفو روحته وتتقوى عزيمته. ويذكر ابن كثير في تفسيره عن أمر هذه الليالي: “فذكر تعالى أنه واعد سيدنا موسي علية السلام ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها سيدنا موسي علية السلام -عليه السلام- وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين”.

واستخلف في قومه أخاه سيدنا هارون علية السلام عليه السلام.

يقص الله تبارك وتعالى علينا ماذا كان من أمر سيدنا موسي علية السلام حين ذهب لميقات ربه. كان سيدنا موسي علية السلام بصومه -أربعين ليلة- يقترب من ربه أكثر. وكان سيدنا موسي علية السلام بتكليم الله له يزداد حبا في ربه أكثر. ونحن لا نعرف أي مشاعر كانت تجيش في قلب سيدنا موسي علية السلام عليه الصلاة والسلام حين سأل ربه الرؤية. أحيانا كثيرة يدفع الحب البشري الناس إلى طلب المستحيل. فما بالك بالحب الإلهي، وهو أصل الحب؟ إن عمق إحساس سيدنا موسي علية السلام بربه، وحبه لخالقه، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته. دفعه هذا كله إلى أن يسأل الله الرؤية. قال تعالى في سورة الأعراف:

وَلَمَّا جَاء سيدنا موسي علية السلام لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ

هكذا باندفاع العاشقين الكبار سأل سيدنا موسي علية السلام ربه ما سأل. وجاءه رد الحق عز وجل:

قَالَ لَن تَرَانِي

ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا، لكان هذا عدلا منه سبحانه، غير أن الموقف هنا موقف حب إلهي من جانب سيدنا موسي علية السلام. موقف اندفاع يبرره الحب ولهذا أدركت رحمة الله تعالى سيدنا موسي علية السلام. أفهمه أنه لن يراه، لأن أحدا من الخلق لا يصمد لنور الله. أمره أن ينظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه.

قال تعالى:

وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ سيدنا موسي علية السلام صَعِقًا

لا يصمد لنور الله أحد. فدكّ الجبل، وصار مسوّى في الأرض. وسقط سيدنا موسي علية السلام مغشيا عليه غائبا عن وعيه. (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) فلما أفاق قال سبحانك تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك. وتبت إليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنين بك وبعظمتك.

ثم تتداركه رحمة ربه من جديد. فيتلقى سيدنا موسي علية السلام -عليه السلام- البشرى. بشرى الاصطفاء. مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص. قال تعالى:

قَالَ يَا سيدنا موسي علية السلام إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)

وقف كثير من المفسرين أمام قوله تعالى لسيدنا موسي علية السلام:

إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي

وأجريت مقارنات بينه وبين غيره من الأنبياء. فقيل إن هذا الاصطفاء كان خاصا بعصره وحده، ولا ينسحب على العصر الذي سبقه لوجود إبراهيم فيه، وإبراهيم خير من سيدنا موسي علية السلام، أيضا لا ينطبق هذا الاصطفاء على العصر الذي يأتي بعده، لوجود محمد بن عبد الله فيه، وهو أفضل منهما.

ونحب أن نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لأننا نعتقد أن كل الأنبياء سواء. إذا إن الله سبحانه وتعالى يحدثنا أنه فضل بعض النبيين على بعض، ورفع درجات بعضهم على البعض. غير أن هذا التفضيل ينبغي أن يكون منطقة محرمة علينا، ولنقف نحن في موقع الإيمان بجميع الأنبياء لا نتعداه. ولنؤد نحوهم فروض الاحترام على حد سواء. لا ينبغي أن يخوض الخاطئون في درجات المعصومين المختارين من الله. ليس من الأدب أن نفاضل نحن بين الأنبياء. الأولى أن نؤمن بهم جميعا.

ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد!

انتهى ميقات سيدنا موسي علية السلام مع ربه تعالى. وعاد غضبان أسفا إلى قومه. لم يكن في الوجود كله إنسان في مثل رضاه. لكنه يعلم من ربه أنباء تسوءه فينقلب إلى قومه غضبان أسفا.

قال تعالى في سورة طه:

وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا سيدنا موسي علية السلام (83) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ سيدنا موسي علية السلام إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا

انحدر سيدنا موسي علية السلام من قمة الجبل وهو يحمل ألواح التوراة، قلبه يغلي بالغضب والأسف. نستطيع أن نتخيل انفعال سيدنا موسي علية السلام وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.

لم يكد سيدنا موسي علية السلام يغادر قومه إلى ميقات ربه. حتى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذه الفتنة أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا من حلي المصريين وذهبهم، حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندما أمروا بالخروج حملوه معهم. ثم قذفوها لأنها حرام. فأخذها السامري، وصنع منها تمثالا لعجل. وكان السامري فيما يبدو نحاتا محترفا أو صائغا سابقا، فصنع العجل مجوفا من الداخل، ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية ويخرج من أنفه فيحدث صوتا يشبه خوار العجول الحقيقية.

ويقال إن سر هذا الخوار، أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب سار عليه جبريل -عليه السلام- حين نزل إلى الأرض في معجزة شق البحر. أي أن السامري أبصر بما لم يبصروا به، فقبض قبضة من أثر الرسول -جبريل عليه السلام- فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبت فيه الحياة. فلما أضاف السامري التراب إلى الذهب، ثم صنع منه العجل، خار العجل كالعجول الحقيقية. وهذه هي القصة السامري التي ألقاها لسيدنا موسي علية السلام.

بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..

سألوه: ما هذا يا سامري؟

قال: هذا إلهكم واله سيدنا موسي علية السلام!

قالوا: لكن سيدنا موسي علية السلام ذهب لميقات إلهه.

قال السامري: لقد نسي سيدنا موسي علية السلام. ذهب للقاء ربه هناك، بينما ربه هنا.

وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخار العجل. وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة. كيف يمكن الاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة. فكيف ينقلبون إلى عبادة الأصنام في لحظة؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية القوم الذين عبدوا العجل. لقد تربوا في مصر، أيام كانت مصر تعبد الأصنام وتقدس فيما تقدس العجل أبيس، وتربوا على الذل والعبودية، فتغيرت نفوسهم، والتوت فطرتهم، ومرت عليهم معجزات الله فصادفت نفوسا تالفة الأمل. لم يعد هناك ما يمكن أن يصنعه لهم أحد. إن كلمات الله لم تعدهم إلى الحق، كما أن المعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل أعماقهم من عبدة الأوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا السبب انقلبوا إلى عبادة العجل.

وفوجئ سيدنا هارون علية السلام عليه الصلاة والسلام يوما بأن بني إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا إلى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركت أن هذا هراء. والأغلبية الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان. ووقف سيدنا هارون علية السلام وسط قومه وراح يعظهم. قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليس هذا ربكم ولا رب سيدنا موسي علية السلام.

وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي

ورفض عبدة العجل موعظة سيدنا هارون علية السلام. لكن سيدنا هارون علية السلام -عليه السلام- عاد يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التي أنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته، واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله حتى عودة سيدنا موسي علية السلام. كان واضحا أن سيدنا هارون علية السلام أكثر لينا من سيدنا موسي علية السلام، لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته. وخشي سيدنا هارون علية السلام أن يلجأ إلى القوة ويحطم لهم صنمهم الذي يعبدونه فتثور فتنة بين القوم. فآثر سيدنا هارون علية السلام تأجيل الموضوع إلى أن يحضر سيدنا موسي علية السلام.

كان يعرف أن سيدنا موسي علية السلام بشخصيته القوية، يستطيع أن يضع حدا لهذه الفتنة دون إراقة دماء.

واستمر القوم يرقصون حول العجل.

انحدر سيدنا موسي علية السلام عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم وهم يرقصون حول العجل. توقف القوم حين ظهر سيدنا موسي علية السلام وساد صمت. صرخ سيدنا موسي علية السلام يقول:

بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ

اتجه سيدنا موسي علية السلام نحو سيدنا هارون علية السلام وألقى ألواح التوراة من يده على الأرض. كان إعصار الغضب داخل سيدنا موسي علية السلام يتحكم فيه الآن تماما. مد سيدنا موسي علية السلام يديه وأمسك سيدنا هارون علية السلام من شعر رأسه وشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال سيدنا موسي علية السلام:

يَا سيدنا هارون علية السلام مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي

إن سيدنا موسي علية السلام يتساءل هل عصى سيدنا هارون علية السلام أمره. كيف سكت على هذه الفتنة؟ كيف طاوعهم على البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟ كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟ إن الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة سيدنا موسي علية السلام الغاضبة. وتحدث سيدنا هارون علية السلام إلى سيدنا موسي علية السلام. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحق انتمائهما لأم واحدة. وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون ذلك أدعى لاستثارة مشاعر الحنو في نفسه.

قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي

أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنما خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله سيدنا موسي علية السلام كيف لم يبق فيهم وقد تركه سيدنا موسي علية السلام مسؤولا عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله سيدنا موسي علية السلام كيف فرق بينهم ولم ينتظر عودته.

إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي

أفهم سيدنا هارون علية السلام أخاه سيدنا موسي علية السلام برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه حين قاومهم. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء، ويستخف به القوم زيادة على استخفافهم به. أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عن ظلمهم.

قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

أدرك سيدنا موسي علية السلام أنه ظلم سيدنا هارون علية السلام في غضبه الذي أشعلته غيرته على الله تعالى وحرصه على الحق. أدرك أن سيدنا هارون علية السلام تصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف. ترك رأسه ولحيته واستغفر الله له ولأخيه. التفت سيدنا موسي علية السلام لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب غضبا:

يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي

إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه. عاد سيدنا موسي علية السلام يقول غاضبا أشد الغضب:

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ

لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهم وأدركوا خطأهم. كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به سيدنا موسي علية السلام. أبعد كل ما فعله الله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الأصنام؟! أيغيب سيدنا موسي علية السلام أربعين يوما ثم يعود ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب. أهذا تصرف قوم، عهد الله إليهم بأمانة التوحيد في الأرض؟

التفت سيدنا موسي علية السلام إلى السامري بعد حديثه القصير مع سيدنا هارون علية السلام. لقد أثبت له سيدنا هارون علية السلام براءته كمسئول عن قومه في غيبته، كما سكت القوم ونكسوا رءوسهم أمام ثورة سيدنا موسي علية السلام، لم يبق إلا المسئول الأول عن الفتنة. لم يبق إلا السامري.

تحدث سيدنا موسي علية السلام إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ

إنه يسأله عن قصته، ويريد أن يعرف منه ما الذي حمله على ما صنع. قال السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ

رأيت جبريل وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ

أخذت حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل وألقيتها على الذهب. فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي

هذا ما ساقتني نفسي إليه.

لم يناقش سيدنا موسي علية السلام، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجهه حكم الحق. ليس المهم أن يكون السامري قد رأى جبريل، عليه السلام، فقبض قبضة من أثره. ليس المهم أن يكون خوار العجل بسبب هذا التراب الذي سار عليه فرس جبريل، أو يكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري ليخور العجل. المهم في الأمر كله جريمة السامري، وفتنته لقوم سيدنا موسي علية السلام، واستغلاله إعجاب القوم الدفين بسادتهم المصريين، وتقليدهم لهم في عبادة الأوثان. هذه هي الجريمة التي حكم فيها سيدنا موسي علية السلام عليه السلام:

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا

حكم سيدنا موسي علية السلام على السامري بالوحدة في الدنيا. يقول بعض المفسرين: إن سيدنا موسي علية السلام دعا على السامري بأن لا يمس أحدا، معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي له مسه.

ونعتقد أن الأمر أخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة. إن السامري أراد بفتنته ضلال بني إسرائيل وجمعهم حول عجله الوثني والسيادة عليهم، وقد جاءت عقوبته مساوية لجرمه، لقد حكم عليه بالنبذ والوحدة. هل مرض السامري مرضا جلديا بشعا صار الناس يأنفون من لمسه أو مجرد الاقتراب منه؟ هل جاءه النبذ من خارج جسده؟ لا نعرف ماذا كان من أمر الأسلوب الذي تمت به وحدة السامري ونبذ المجتمع له. كل ما نعرفه أن سيدنا موسي علية السلام أوقع عليه عقوبة رهيبة، كان أهون منها القتل، فقد عاش السامري منبوذا محتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا، ويوم القيامة له عقوبة ثانية، يبهمها السياق لتجيء ظلالها في النفس أخطر وأرعب.

نهض سيدنا موسي علية السلام بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهب وألقاه في النار. لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في البحر نسفا. تحول الإله المعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوت سيدنا موسي علية السلام:

إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا

هذا هو إلهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.

بعد أن نسف سيدنا موسي علية السلام الصنم، وفرغ من الجاني الأصلي، التفت إلى قومه، وحكم في القضية كلها فأفهمهم أنهم ظلموا أنفسهم وترك لعبدة العجل مجالا واحدا للتوبة. وكان هذا المجال أن يقتل المطيع من بني إسرائي من عصى.

قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ سيدنا موسي علية السلام لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم

كانت العقوبة التي قررها سيدنا موسي علية السلام على عبدة العجل مهولة، وتتفق مع الجرم الأصلي. إن عبادة الأوثان إهدار لحياة العقل وصحوته، وهي الصحوة التي تميز الإنسان عن غيره من البهائم والجمادات، وإزاء هذا الإزهاق لصحوة العقل، تجيء العقوبة إزهاقا لحياة الجسد نفسه، فليس بعد العقل للإنسان حياة يتميز بها. ومن نوع الجرم جاءت العقوبة. جاءت قاسية ثم رحم الله تعالى وتاب. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم .

أخيرا. سَكَتَ عَن سيدنا موسي علية السلام الْغَضَبُ. تأمل تعبير القرآن الكريم الذي يصور الغضب في صورة كائن يقود تصرفات سيدنا موسي علية السلام، ابتداء من إلقائه لألواح التوراة، وشده للحية أخيه ورأسه. وانتهاء بنسف العجل في البحر، وحكمه بالقتل على من اتخذوه ربا. أخيرا سكت عن سيدنا موسي علية السلام الغضب. زايله غضبه في الله، وذلك أرفع أنواع الغضب وأجدرها بالاحترام والتوقير. التفت سيدنا موسي علية السلام إلى مهمته الأصلية حين زايله غضبه فتذكر أنه ألقى ألواح التوراة. وعاد سيدنا موسي علية السلام يأخذ الألواح ويعاود دعوته إلى الله.

قال تعالى:

وَلَمَّا سَكَتَ عَن سيدنا موسي علية السلام الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

عاد سيدنا موسي علية السلام إلى هدوئه، واستأنف جهاده في الله، وقرأ ألواح التوراة على قومه. أمرهم في البداية أن يأخذوا بأحكامها بقوة وعزم. ومن المدهش أن قومه ساوموه على الحق. قالوا: انشر علينا الألواح فان كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها. فقال سيدنا موسي علية السلام: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوا مرارا، فأمر الله تعالى ملائكته فرفعت الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة فوقهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط ذلك الجبل عليكم، فقبلوا بذلك، وأمروا بالسجود فسجدوا. وضعوا خدودهم على الأرض وراحوا ينظرون إلى الجبل فوقهم هلعا ورعبا.

قال تعالى:

وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

وهكذا أثبت قوم سيدنا موسي علية السلام أنهم لا يسلمون وجوههم لله إلا إذا لويت أعناقهم بمعجزة حسية باهرة تلقي الرعب في القلوب وتنثني الأقدام نحو سجود قاهر يدفع الخوف إليه دفعا. وهكذا يساق الناس بالعصا الإلهية إلى الإيمان. يقع هذا في ظل غياب الوعي والنضج الكافيين لقيام الاقتناع العقلي. ولعلنا هنا نشير مرة أخرى إلى نفسية قوم سيدنا موسي علية السلام، وهي المسئول الأول عن عدم اقتناعهم إلا بالقوة الحسية والمعجزات الباهرة. لقد تربى قوم سيدنا موسي علية السلام ونشئوا وسط هوان وذل، أهدرت فيهما إنسانيتهم والتوت فطرته. ولم يعد ممكنا بعد ازدهار الذل في نفوسهم واعتيادهم إياه، لم يعد ممكنا أن يساقوا إلى الخير إلا بالقوة. لقد اعتادوا أن تسيرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بد لسيدهم الجديد (وهو الإيمان) من أن يقاسي الأهوال لتسييرهم، وأن يلجأ مضطرا إلى أسلوب القوة لينقذهم من الهلاك. لم تمر جريمة عبادة العجل دون آثار.

أمر سيدنا موسي علية السلام بني إسرائيل أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه. اختار منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. خرج سيدنا موسي علية السلام بهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى. دنا سيدنا موسي علية السلام من الجبل. وكلم الله تعالى سيدنا موسي علية السلام، وسمع السبعون سيدنا موسي علية السلام وهو يكلم ربه.

ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الأخير، وتكون كافية لحمل الإيمان إلى القلوب مدى الحياة. غير أن السبعين المختارين لم يكتفوا بما استمعوا إليه من المعجزة. إنما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد أن نرى. قالوا لسيدنا موسي علية السلام ببساطة:

يَا سيدنا موسي علية السلام لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً

هي مأساة تثير أشد الدهشة. وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوب واستمساكها بالحسيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. أخذتهم رجفة مدمرة صعقت أرواحهم وأجسادهم على الفور. ماتوا.

أدرك سيدنا موسي علية السلام ما أحدثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربه ويناشده أن يعفو عنهم ويرحمهم، وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم، وليس طلبهم رؤية الله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب غير سفاهة كبرى. سفاهة لا يكفر عنها إلا الموت.

قد يطلب النبي رؤية ربه، كما فعل سيدنا موسي علية السلام، ورغم انطلاق الطلب من واقع الحب العظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب، رغم هذا كله يعتبر طلب الرؤية تجاوزا للحدود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنا بصدور هذا الطلب من بشر خاطئين، بشر يحددون للرؤية مكانا وزمانا، بعد كل ما لقوه من معجزات وآيات..؟ أليس هذا سفاهة كبرى..؟ وهكذا صعق من طلب الرؤية.. ووقف سيدنا موسي علية السلام يدعو ربه ويستعطفه ويترضاه.. قال تعالى:

وَاخْتَارَ سيدنا موسي علية السلام قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا

هذه كانت كلمات سيدنا موسي علية السلام لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي الله تعالى عنه وغفر لقومه فأحياهم بعد موتهم، واستمع المختارون في هذه اللحظات الباهرة من تاريخ الحياة إلى النبوءة بمجيء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:

قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

سنلاحظ طريقة الربط بين الحاضر والماضي في الآية، إن الله تعالى يتجاوز زمن مخاطبة الرسول في الآيات إلى زمنين سابقين، هما نزول التوراة ونزول الإنجيل، ليقرر أنه (تعالى) بشّر بمحمد في هذين الكتابين الكريمين. نعتقد أن إيراد هذه البشرى جاء يوم صحب سيدنا موسي علية السلام من قومه سبعين رجلا هم شيوخ بني إسرائيل وأفضل من فيهم، لميقات ربه. في هذا اليوم الخطير بمعجزاته الكبرى، تم إيراد البشرى بآخر أنبياء الله عز وجل.

يقول ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء، نقلا عن قتادة:

إن سيدنا موسي علية السلام قال لربه: يا رب إني أجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. رب اجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: ربي إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها. وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه. وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم. رب اجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة. فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق أحدهم بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير. وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم. رب فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب فإني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم عملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. رب اجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

سار سيدنا موسي علية السلام بقومه في سيناء. وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء. وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام. والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة. وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). وحين اشتد بهم الظمأ إلى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم سيدنا موسي علية السلام بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12 سبطا. فأرسل الله المياه لكل مجموعة. ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة. واحتج قوم سيدنا موسي علية السلام بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية. وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم سيدنا موسي علية السلام أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة.

وعاد سيدنا موسي علية السلام يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه.

قال تعالى في سورة البقرة:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا سيدنا موسي علية السلام لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ

سار سيدنا موسي علية السلام بقومه في اتجاه البيت المقدس. أمر سيدنا موسي علية السلام قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها. وها قد جاء امتحانهم الأخير. بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق. جاء دورهم ليحاربوا -بوصفهم مؤمنين- قوما من عبدة الأصنام.

رفض قوم سيدنا موسي علية السلام دخول الأراضي المقدسة. وحدثهم سيدنا موسي علية السلام عن نعمة الله عليهم. كيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.

وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: إن فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء.

وانضم لسيدنا موسي علية السلام وسيدنا هارون علية السلام اثنان من القوم. تقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف. لم يجد سيدنا موسي علية السلام من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال. وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال. قالا: إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم.

مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في استطاعتهم أن يحاربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله سيدنا موسي علية السلام وربه. وقال قوم سيدنا موسي علية السلام له كلمتهم الشهيرة:

فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ

هكذا بصراحة وبلا التواء.

أدرك سيدنا موسي علية السلام أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد سيدنا موسي علية السلام إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه. دعا سيدنا موسي علية السلام على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم.

وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل. كان الحكم هو التيه أربعين عاما. حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة. ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأن ينتصر. قال تعالى في سورة المائدة:

وَإِذْ قَالَ سيدنا موسي علية السلام لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا سيدنا موسي علية السلام إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا سيدنا موسي علية السلام إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

بدأت أيام التيه. بدأ السير في دائرة مغلقة. تنتهي من حيث تبدأ، وتبدأ من حيث تنتهي، بدأ السير إلى غير مقصد. ليلا ونهارا وصباحا ومساء. دخلوا البرية عند سيناء.

مكث سيدنا موسي علية السلام في قومه يدعوهم إلى الله. ويبدو أن نفوسهم كانت ملتوية بشكل لا تخطئه عين الملاحظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة. فإن الموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات بينهم وبين سيدنا موسي علية السلام، كما أنه لم يكن يستوجب كل هذا التعنت. وأصل قصة البقرة أن قتيلا ثريا وجد يوما في بني إسرائيل، واختصم أهله ولم يعرفوا قاتله، وحين أعياهم الأمر لجئوا لسيدنا موسي علية السلام ليلجأ لربه. ولجأ سيدنا موسي علية السلام لربه فأمره أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة. وكان المفروض هنا أن يذبح القوم أول بقرة تصادفهم. غير أنهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجة. اتهموا سيدنا موسي علية السلام بأنه يسخر منهم ويتخذهم هزوا، واستعاذ سيدنا موسي علية السلام بالله أن يكون من الجاهلين ويسخر منهم. أفهمهم أن حل القضية يكمن في ذبح بقرة.

إن الأمر هنا أمر معجزة، لا علاقة لها بالمألوف في الحياة، أو المعتاد بين الناس. ليست هناك علاقة بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل في الجريمة الغامضة التي وقعت، لكن متى كانت الأسباب المنطقية هي التي تحكم حياة بني إسرائيل؟ إن المعجزات الخارقة هي القانون السائد في حياتهم، وليس استمرارها في حادث البقرة أمرا يوحي بالعجب أو يثير الدهشة.

لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل. مجرد التعامل معهم عنت. تستوي في ذلك الأمور الدنيوية المعتادة، وشؤون العقيدة المهمة. لا بد أن يعاني من يتصدى لأمر من أمور بني إسرائيل. وهكذا يعاني سيدنا موسي علية السلام من إيذائهم له واتهامه بالسخرية منهم، ثم ينبئهم أنه جاد فيما يحدثهم به، ويعاود أمره أن يذبحوا بقرة، وتعود الطبيعة المراوغة لبني إسرائيل إلى الظهور، تعود اللجاجة والالتواء، فيتساءلون: أهي بقرة عادية كما عهدنا من هذا الجنس من الحيوان؟ أم أنها خلق تفرد بمزية، فليدع سيدنا موسي علية السلام ربه ليبين ما هي. ويدعو سيدنا موسي علية السلام ربه فيزداد التشديد عليهم، وتحدد البقرة أكثر من ذي قبل، بأنها بقرة وسط. ليست بقرة مسنة، وليست بقرة فتية. بقرة متوسطة.

إلى هنا كان ينبغي أن ينتهي الأمر، غير أن المفاوضات لم تزل مستمرة، ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي تحكم مائدة المفاوضات. ما هو لون البقرة؟ لماذا يدعو سيدنا موسي علية السلام ربه ليسأله عن لون هذا البقرة؟ لا يراعون مقتضيات الأدب والوقار اللازمين في حق الله تعالى وحق نبيه الكريم، وكيف أنهم ينبغي أن يخجلوا من تكليف سيدنا موسي علية السلام بهذا الاتصال المتكرر حول موضوع بسيط لا يستحق كل هذه اللجاجة والمراوغة. ويسأل سيدنا موسي علية السلام ربه ثم يحدثهم عن لون البقرة المطلوبة. فيقول أنها بقرة صفراء، فاقع لونها تسر الناظرين.

وهكذا حددت البقرة بأنها صفراء، ورغم وضوح الأمر، فقد عادوا إلى اللجاجة والمراوغة. فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه وآذوه. عادوا يسألون سيدنا موسي علية السلام أن يدعو الله ليبين ما هي، فإن البقر تشابه عليهم، وحدثهم سيدنا موسي علية السلام عن بقرة ليست معدة لحرث ولا لسقي، سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها، بمعنى خالصة الصفرة. انتهت بهم اللجاجة إلى التشديد. وبدءوا بحثهم عن بقرة بهذه الصفات الخاصة. أخيرا وجدوها عند يتيم فاشتروها وذبحوها.

وأمسك سيدنا موسي علية السلام جزء من البقرة (وقيل لسانها) وضرب به القتيل فنهض من موته. سأله سيدنا موسي علية السلام عن قاتله فحدثهم عنه (وقيل أشار إلى القاتل فقط من غير أن يتحدث) ثم عاد إلى الموت. وشاهد بنو إسرائيل معجزة إحياء الموتى أمام أعينهم، استمعوا بآذانهم إلى اسم القاتل. انكشف غموض القضية التي حيرتهم زمنا طال بسبب لجاجتهم وتعنتهم. قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ سيدنا موسي علية السلام لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (68) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

نود أن نستلفت انتباه القارئ إلى سوء أدب القوم مع نبيهم وربهم، ولعل السياق القرآني يورد ذلك عن طريق تكرارهم لكلمة “ربك” التي يخاطبون بها سيدنا موسي علية السلام. وكان الأولى بهم أن يقولوا لسيدنا موسي علية السلام، تأدبا، لو كان لا بد أن يقولوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ادع لنا ربنا. أما أن يقولوا له: فكأنهم يقصرون ربوبية الله تعالى على سيدنا موسي علية السلام. ويخرجون أنفسهم من شرف العبودية لله. انظر إلى الآيات كيف توحي بهذا كله. ثم تأمل سخرية السياق منهم لمجرد إيراده لقولهم:

الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ

بعد أن أرهقوا نبيهم ذهابا وجيئة بينهم وبين الله عز وجل، بعد أن أرهقوا نبيهم بسؤاله عن صفة البقرة ولونها وسنها وعلاماتها المميزة، بعد تعنتهم وتشديد الله عليهم، يقولون لنبيهم حين جاءهم بما يندر وجوده ويندر العثور عليه في البقر عادة.

ساعتها قالوا له: “الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ”. كأنه كان يلعب قبلها معهم، ولم يكن ما جاء هو الحق من أول كلمة لآخر كلمة. ثم انظر إلى ظلال السياق وما تشي به من ظلمهم:

فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ

ألا توحي لك ظلال الآيات بتعنتهم وتسويفهم ومماراتهم ولجاجتهم في الحق؟ هذه اللوحة الرائعة تشي بموقف بني إسرائيل على موائد المفاوضات. هي صورتهم على مائدة المفاوضات مع نبيهم الكريم سيدنا موسي علية السلام.

قاسى سيدنا موسي علية السلام من قومه أشد المقاساة، وعانى عناء عظيما، واحتمل في تبليغهم رسالته ما احتمل في سبيل الله. ولعل مشكلة سيدنا موسي علية السلام الأساسية أنه بعث إلى قوم طال عليهم العهد بالهوان والذل، وطال بقاؤهم في جو يخلو من الحرية، وطال مكثهم وسط عبادة الأصنام، ولقد نجحت المؤثرات العديدة المختلفة في أن تخلق هذه النفسية الملتوية الخائرة المهزومة التي لا تصلح لشيء. إلا أن تعذب أنبيائها ومصلحيها.

وقد عذب بنو إسرائيل سيدنا موسي علية السلام عذابا نستطيع -نحن أبناء هذا الزمان- أن ندرك وقعه على نفس سيدنا موسي علية السلام النقية الحساسة الكريمة. ولم يقتصر العذاب على العصيان والغباء واللجاجة والجهل وعبادة الأوثان، وإنما تعدى الأمر إلى إيذاء سيدنا موسي علية السلام في شخصه.

قال تعالى في سورة الأحزاب:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا سيدنا موسي علية السلام فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا

ونحن لا تعرف كنه هذا الإيذاء، ونستبعد رواية بعض العلماء التي يقولون فيها أن سيدنا موسي علية السلام كان رجلا حييا يستتر دائما ولا يحب أن يرى أحد من الناس جسده فاتهمه اليهود بأنه مصاب بمرض جلدي أو برص، فأراد الله أن يبرئه مما قالوا، فذهب يستحم يوما ووضع ثيابه على حجر، ثم خرج فإذا الحجر يجري بثيابه وسيدنا موسي علية السلام يجري وراء الحجر عاريا حتى شاهده بنو إسرائيل عاريا وليس بجلده عيب. نستبعد هذه القصة لتفاهتها، فإنها إلى جوار خرافة جري الحجر بملابسه، لا تعطي سيدنا موسي علية السلام حقه من التوقير، وهي تتنافى مع عصمته كنبي.

ونعتقد أن اليهود آذوا سيدنا موسي علية السلام إيذاء نفسيا، هذا هو الإيذاء الذي يدمي النفوس الكريمة ويجرحها حقا، ولا نعرف كيف كان هذا الإيذاء، ولكننا نستطيع تخيل المدى العبقري الآثم الذي يستطيع بلوغه بنو إسرائيل في إيذائهم لسيدنا موسي علية السلام.

ولعل أعظم إيذاء لسيدنا موسي علية السلام، كان رفض بني إسرائيل القتال من أجل نشر عقيدة التوحيد في الأرض، أو على أقل تقدير، السماح لهذه العقيدة أن تستقر على الأرض في مكان، وتأمن على نفسها، وتمارس تعبدها في هدوء. لقد رفض بنو إسرائيل القتال. وقالوا لسيدنا موسي علية السلام كلمتهم الشهيرة:

فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ

وبهذه النفسية حكم الله عليهم بالتيه. وكان الحكم يحدد أربعين عاما كاملة، وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، حتى فني جيل بأكمله. فنى الجيل الخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد. جيل لم يتربى وسط مناخ وثني، ولم يشل روحه انعدام الحرية. جيل لم ينهزم من الداخل، جيل لم يعد يستطيع الأبناء فيه أن يفهموا لماذا يطوف الآباء هكذا بغير هدف في تيه لا يبدو له أول ولا تستبين له نهاية. إلا خشية من لقاء العدو. جيل صار مستعدا لدفع ثمن آدميته وكرامته من دمائه. جيل لا يقول لسيدنا موسي علية السلام (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).

جيل آخر يتبنى قيم الشجاعة العسكرية، كجزء مهم من نسيج أي ديانة من ديانات التوحيد. أخيرا ولد هذا الجيل وسط تيه الأربعين عاما.

ولقد قدر لسيدنا موسي علية السلام. زيادة في معاناته ورفعا لدرجته عند الله تعالى. قدر له ألا تكتحل عيناه بمرأى هذا الجيل. فقد مات سيدنا موسي علية السلام عليه الصلاة والسلام قبل أن يدخل بنو إسرائيل الأرض التي كتب الله عليهم دخولها. قال الله تبارك وتعالى عن سيدنا موسي علية السلام في سورة مريم:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ سيدنا موسي علية السلام إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ سيدنا هارون علية السلام نَبِيًّا

وقال تعالى عنه في سورة الأعراف بعد طلب رؤية الله:

قَالَ يَا سيدنا موسي علية السلام إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ

وقال عز وجل عنه في سورة النساء:

وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ سيدنا موسي علية السلام تَكْلِيمًا

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان قومه يؤذونه في الله: قد أوذي سيدنا موسي علية السلام بأكثر من ذلك فصبر.

مات سيدنا هارون علية السلام قبل سيدنا موسي علية السلام بزمن قصير. واقترب أجل سيدنا موسي علية السلام، عليه الصلاة والسلام. وكان لم يزل في التيه. قال يدعو ربه: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر.

أحب أن يموت قريبا من الأرض التي هاجر إليها. وحث قومه عليها. ولكنه لم يستطع، ومات في التيه. ودفن عند كثيب أحمر حدث عنه آخر أنبياء الله في الأرض حين أسرى به. قال محمد صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي مررت بسيدنا موسي علية السلام وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.

تروي الأساطير عديدا من الحكايات حول موت سيدنا موسي علية السلام، وتحكي أنه ضرب ملك الموت حين جاء يستل روحه، وأمثال هذه الروايات كثيرة. لكننا لا نحب أن نخوض في هذه الروايات حتى لا ننجرف وراء الإسرائيليات التي دخلت بعض كتب التفسير.

مات سيدنا موسي علية السلام -عليه الصلاة والسلام- في التيه، وتولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل

الجزء الرابع من قصة سيدنا موسي

يُرْوِي لَنا القُرْآن قَصَّة قارُون ، وَهُو مَن قَوْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام . لَكَنّ القُرْآن لا يُحَدِّد زَمِنَ القِصَّة وَلا مَكانها . فَهَلَّ وَقَعتَ هٰذِهِ القِصَّة وَبَنُو إِسْرائِيل وَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام فِي مُصِرّ قَبِلَ الخُرُوج ؟ أُو وَقَعتَ بَعُدَ الخُرُوج فِي حَياَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ؟ أُمّ وَقَعتَ فِي بُنِّي إِسْرائِيل مَن بَعُدَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ؟ وَبَعِيداً عَنَّ الرِوايات المُخْتَلِفَة ، نُورِد القِصَّة كَمّا ذِكْرها القُرْآن الكرِيم .

قالَ تَعالَىْ فِي سُورَة القَصَص :

إِن قارُون كَآن مَن قَوْم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام فَبَغَى عَلَيهِم وَآتَيناهُ مَن الكُنُوز ما إِن مُفاتَحَة لِتَنُوء بِالعَصَبَة أَوَّلَيْيَ القُوَّة إِذ قالَ لَهُ قَوْمهُ لا تَفْرَح إِن اللّٰه لا يَحِبّ الفرحين (76) وَأَبْتَغ فِيما آتاكَ اللّٰه الدارّ الآخِرَة وَلا تُنْس نُصِيبكَ مَن الدُنْيا وَأَحْسَنَ كَمّا أَحْسَنَ اللّٰه إِلَيكَ وَلا تَبْغ الفَساد فِي الأَرْض إِن اللّٰه لا يَحِبّ المُفْسِدَيْنِ (77) قالَ إِنَّما أوتيته عَلَى عَلَم عِنْدِي أَوْلَمَ يُعَلِّم أَن اللّٰه قُدّ أُهِلّكِ مَن قَبْلِهِ مَن القُرُون مَن هُوَ أَشِدّ مِنْه قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعاً وَلا يُسْأَل عَنَّ ذُنُوبهُم المُجْرِمُونَ (78) فَخَرْج عَلَى قَوْمهُ فِي زَيْنتهُ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياَة الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِي قارُون إِنَّهُ لذو حَظَّ عَظِيم (79) وَقالَ الَّذِينَ أوتوا العِلْم وَيْلكُم ثَوّاب اللّٰه خَيِّر لِمَن آمَنَ وَعَمَل صالِحاً وَلا يَلْقاها إِلّا الصابِرُونَ (80) فَخَسْفنا بِهِ وَبِدارهُ الأَرْض فَما كَآن لَهُ مَن فِئَة يَنْصُرُونَهُ مَن دَوَّنَ اللّٰه وَما كَآن مَن المُنْتَصِرَيْنِ (81) وَأُصَبِّح الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانهُ بِالأَمْس يَقُولُونَ ويكأن اللّٰه يُبَسَّط الرِزْق لِمَن يَشاء مَن عِبادهُ وَيَقْدَر لَوْلا أَن مَن اللّٰه عَلِيّنا لَخَسَفَ بِنا ويكأنه لا يَفْلَح الكافِرُونَ (82) تَلّكِ الدارّ الآخِرَة نَجْعَلها لِالَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عَلَوْا فِي الأَرْض وَلا فَسادّاً وَالعاقِبَة لِلمُتَّقِيْنَ

يُحْدِثنا اللّٰه عَنَّ كُنُوز قارُون فَيَقُول سُبْحانهُ وَتَعالَىْ إِن مَفاتِيح الحُجْرات آلَتَيْ تَضِم الكُنُوز ، كَآن يَصْعُب حِمْلها عَلَى مَجْمُوعَة مَن الرِجال الأَشِدّاء . وَلُو عَرَفنا عَنَّ مَفاتِيح الكُنُوز هٰذِهِ الحال ، فَكَيْفَ كانَت الكُنُوز ذاتها ؟! وَلا يَذْكُر القُرْآن فِيما كَآن البَغْي ، لِيَدَعّهُ مَجْهَلا يَشْمَل شَتَّى الصُور . فَرُبَّما بَغَى عَلَيهِم بِظُلْمهُم وَغَصْبهُم أَرْضهُم وَأَشْياءهُم . وَرُبَّما بَغَى عَلَيهِم بِحِرْمانهُم حَقّهُم فِي ذُلّكَ المال . حَقَّ الفُقَراء فِي أَمْوال الأَغْنِياء . وَرُبَّما بَغَى عَلَيهِم بِغَيْر هٰذِهِ الأَسْباب .

وَيَبْدُو أَن العُقَلاء مَن قَوْمهُ نَصْحُوهُ بِالقَصْد وَالٱِعْتِدال ، وَهُو المَنْهَج السَلِيم . فَهِمَ يُحَذِّرُوهُ مَن الفَرْحات الَّذِي يُؤَدِّي بِصاحِبهُ إِلَى نَسِيّانِ مَن هُوَ المُنْعِم بِهٰذا المال ، وَيَنْصَحُونَهُ بِالتَمَتُّع بِالمال فِي الدُنْيا ، مَن غَيَّرَ أَن يُنْسَى الآخِرَة ، فِعْلِيّهُ أَن يُعْمِل لِآخِرتهُ بِهٰذا المال . وَيُذْكِرُونَهُ بِأَن هٰذا المال هَبَّة مَن اللّٰه وَإِحْسان ، فِعْلِيّهُ أَن يَحْسُن وَيَتَصَدَّق مَن هٰذا المال ، حَتَّى يَرِد الإِحْسان بِالإِحْسان . وَيُحَذِّرُونَهُ مَن الفَساد فِي الأَرْض ، بِالبَغْي ، وَالظُلْم ، وَالحُسُد ، وَالبَغْضاء ، وَإِنْفاق المال فِي غَيَّرَ وَجْههُ ، أُو إِمْساكهُ عَمّا يَجُب أَن يَكُون فِيهِ . فَاللّٰه لا يَحِبّ المُفْسِدَيْنِ .

فَكانَ رَدَّ قارُون جُمْلَةً واحِد تَحْمِل شَتَّى مُعانِييَ الفَساد (قالَ إِنَّما أوتيته عَلَى عَلَم عِنْدِي ). لَقَد أَنْساهُ غُرُورهُ مُصَدِّر هٰذِهِ النَعْمَة وَحَكَّمتَها ، وَفَتَنَهُ المال وَأَعْماهُ الثَراء . فِلْم يَسْتَمِع قارُون لَنِداء قَوْمهُ ، وَلَم يُشْعِر بِنِعْمَة رَبّهُ . فِجاء التَهْدِيد فِي نَفَّسَ الآيَة رَدّا عَلَى قَوْلتهُ الفاجِرَة (أَوْلَمَ يُعَلِّم أَن اللّٰه قُدّ أُهِلّكِ مَن قَبْلِهِ مَن القُرُون مَن هُوَ أَشِدّ مِنْه قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعاً وَلا يُسْأَل عَنَّ ذُنُوبهُم المُجْرِمُونَ ) فَإِذا كَآن ذا قُوَّة وَذا مال ، فَقَد أُهِلّكِ اللّٰه مَن قَبْلِهِ أَجْيالاً كانَت أَشِدّ مِنْه قُوَّة وَأَكْثَر مالاً .

وَخَرَجَ قارُون ذات يَوْم عَلَى قَوْمهُ ، بِكامِل زَيْنتهُ ، فَطارَت قُلُوب بِعَضّ القَوْم ، وَتُمَنُّوا أَن لِدِيهِم مِثْلَ ما أُوتِي قارُون ، وَأَحَسُّوا إِنَّهُ فِي نَعْمَة كَبِيرَة . فَرَدَّ عَلَيهِم مَن سَمْعهُم مَن أَهْل العِلْم وَالإِيمان : وَيْلكُم أَيُّها المخدوعون، احذروا الفِتْنَة ، وَٱِتَّقَوْا اللّٰه ، وَأَعْلَمُوا أَن ثَوّاب اللّٰه خَيِّر مَن هٰذِهِ الزِينَة ، وَما عَنِدَ اللّٰه خَيِّر مِنما عَنِدَ قارُون .

وَعِنْدَما تُبَلِّغ فِتْنَة الزِينَة ذُرْوتها ، وَتَتَهافَت أَمامَها النُفُوس وَتَتَهاوَى ، تَتَدَخَّل القِدْرَة الإِلٰهِيَّة لِتَضُع حَدّاً لِلفِتْنَة ، وَتَرْحَم الناس الضِعاف مَن إِغْراءها ، وَتَحَطُّم الغُرُور وَالكِبْرِياء ، فَيَجِيء العُقاب حاسِما (فَخَسْفنا بِهِ وَبِدارهُ الأَرْض ) هٰكَذا فِي لَمَحَّة خاطِفَة ٱِبْتَلَعَتهُ الأَرْض وَٱِبْتَلَعتُ دارّهُ . وَذَهَبَ ضَعِيفا عاجِزا ، لا يَنْصُرهُ أَحُدّ ، وَلا يَنْتَصِر بِجاه أُو مال .

وَبَدَأَ الناس يَتَحَدَّثُونَ إِلَى بَعْضهُم البَعْض فِي دَهِشَة وَعَجِبَ وَٱِعْتِبار . فَقَلا الَّذِي كانُوا مال قارُون وَسُلْطانهُ وَزَيَّنتُهُ وَحَظّهُ فِي الدُنْيا : حَقّاً إِن اللّٰه تَعالَىْ يُبَسَّط الرِزْق لِمَن يَشاء مَن عِبادهُ وَيَوْسُع عَلَيهِم ، أُو يُقَبِّض ذُلّكَ ، فَالحَمْد لِاللّٰه أَن مَن عَلِيّنا فَحِفْظنا مَن الخَسْف وَالعَذاب الأَلِيم . إِنّا تُبَنا إِلَيكَ سُبْحانكِ ، فَلّكَ الحَمْد فِي الأُولى وَالآخِرَة

سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَالعَبْد الصالِح

 

مُلَخَّص قَصَّة العَبْد الصالِح

 

عَتَّبَ اللّٰه عَلَى سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – لِأَنَّهُ أُجاب بُنِّي إسرائلي حِينَ سَأَلْوهُ أَي الناس أُعَلِّم بِأَنَّهُ هُوَ . فَأُوحَى لَهُ اللّٰه تَعالَىْ بِوُجُود رَجُل عَنِدَ مَجْمَع البَحْرَيْنِ أُعَلِّم مِنْه . فَصَحِبَهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَكانَ الرَجُل -الخُضَر – يَتَصَرَّف بِشَكْل غَرِيب كَأَنَّ خَرَقَ السَفِينَة آلَتَيْ نُقْلتهُم ، وَقُتِلَ غُلاماً بَرِيئاً ، وَبِنَى حائِطا . وَكانا قُدّ ٱِتَّفَقا أَنلا يَسْأَلهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَنَّ سَبَّبَ تَصَرُّفاتهُ . لَكَنّ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام كَآن يَسْأَلهُ عَنَّ الأسببا فَٱِفْتَرَقا وَبَيِّن الخُضَر لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام أَن هٰذا مَن عَلَم اللّٰه

 

وَإِذ قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِفَتاهُ لا أُبْرِح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع البَحْرَيْنِ أُو أُمَضِّي حُقْباً

 

كَآن لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – هَدَفَ مَن رِحْلتهُ هٰذِهِ آلَتَيْ اعتزمها، وَأَنْهَ كَآن يُقْصَد مَن وَرائها آمِراً ، فَهُوَ يُعْلِننَ عَنَّ تَصْمِيمهُ عَلَى بُلُوغ مَجْمَع البَحْرَيْنِ مَهْما تُكَنّ المَشَقَّة ، وَمَهْما يَكِنّ أَلْزَمنَ الَّذِي يَنْفهُ فِي الوُصُول . فَيَعْبُر عَنَّ هٰذا التَصْمِيم قائِلا (أُو أُمَضِّي حُقْباً ).

 

نَرَى أَن القُرْآن الكرِيم لا يُحَدِّد لَنا المَكان الَّذِي وَقُتتَ فِيهِ الحَوادِث ، وَلا يُحَدِّد لَنا التارِيخ ، كَمّا إِنَّهُ لِمَ يَصْرُح بِالأَسْماء . وَلَم يُبِين ماهِيَّة العَبْد الصالِح الَّذِي ٱِلْتَقاهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ، هَل هُوَ نَبِيّ أُو رَسُول ؟ أُمّ عالِم ؟ أُمّ وَلِيّ ؟

 

أَخْتَلِف المُفَسِّرُونَ فِي تَحْدِيد المَكان ، فَقَيَّلَ إِنَّهُ بَحِرَ فَأَرَسَ وَالرَوْم ، وَقِيلَ بَلّ بَحِرَ الأُرْدُنّ أُو القلزم، وَقِيلَ عَنِدَ طَنْجَة ، وَقِيلَ فِي أَفْرِيقِيّاً ، وَقِيلَ هُوَ بَحِرَ الأَنْدَلُس .. وَلا يَقُوم الدَلِيل عَلَى صِحَّة مَكان مَن هٰذِهِ الأَمْكِنَة ، وَلُو كَآن تَحْدِيد المَكان مَطْلُوباً لَحَدَّدَهُ اللّٰه تَعالَىْ .. وَإِنَّما أُبْهَم السِياق القُرْآنِيّ المَكان ، كَمّا أُبْهَم تَحْدِيد الزَمان ، كَمّا ضَبَّبَ أَسْماء الأَشْخاص لِحِكْمَة عَلِيّاً .

 

إِن القِصَّة تَتَعَلَّق بِعِلْم لَيِسَ هُوَ عَلْمَننا القائِم عَلَى الأَسْباب .. وَلَيْسَ هُوَ عَلَم الأَنْبِياء القائِم عَلَى الوَحْي .. إِنَّما نُحنَ أَمامَ عَلَم مَن طَبِيعَة غامِضَة أَشِدّ الغُمُوض .. عَلَم القِدْر الأَعْلَى ، وَذُلّكِ عَلَم أَسْدَلَت عَلِيّهُ الأَسْتار الكَثِيفَة .. مَكان اللِقاء مَجْهُول كَمّا رَأْينا .. وَزَمان اللِقاء غَيَّرَ مَعْرُوف هُوَ الآخَر .. لا نَعْرِف مَتَى تَمَّ لَقاءَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بِهٰذا العَبْد .

 

وَهٰكَذا تُمَضِّي القِصَّة بِغَيْر أَن تَحْدِد لَكَ سُطُورها مَكان وُقُوع الأَحْداث ، وَلا زَمانهُ ، يَخْفِي السِياق القُرْآنِيّ أَيْضاً ٱِسْم أَهِم أَبْطالها .. يُشِير إِلَيهِ أُلْحَق تَباركِ وَتَعالَىْ بُقُولهُ :

 

عَبَّدا مَن عُبّادنا آتَيناهُ رَحْمَة مَن عِنْدَنا وَعَلْمَناهُ مَن لِدّنا عَلَّما

 

هُوَ عَبَدَ أَخْفَى السِياق القُرْآنِيّ ٱِسْمهُ .. هٰذا العَبْد هُوَ الَّذِي يَبْحَث عَنهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِيَتَعَلَّم مِنْه .

 

لَقَد خُصّ اللّٰه تَعالَىْ نَبِيه الكرِيم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – بِأُمُور كَثِيرَة . فَهُوَ كَلِيم اللّٰه عِزّ وَجَلَّ ، وَأَحَدَّ أَوَّلَيْيَ العَزْم مَن الرَسْل ، وَصاحِب مُعْجِزَة العَصا وَاليَد ، وَالنَبِيّ الَّذِي أَنْزَلتِ عَلِيّهُ التَوراَة دَوَّنَ واسِطَة ، وَإِنَّما كَلَّمَهُ اللّٰه تكليما.. هٰذا النَبِيّ العَظِيم يَتَحَوَّل فِي القِصَّة إِلَى طالِب عَلَم مُتَواضِع يَحْتَمِل أُسْتاذهُ لِيَتَعَلَّم .. وَمِن يَكُون مَعْلَمهُ غَيَّرَ هٰذا العَبْد الَّذِي يَتَجاوَز السِياق القُرْآنِيّ ٱِسْمهُ ، وَإِن حَدَثَتنا أَلْسِنَة المُطَهَّرَة إِنَّهُ هُوَ الخُضَر -عَلِيّهُ السَلام – كَمّا حَدَثَتنا أَن الفَتَى هُوَ يُوَشِّع بِن نَوِنّ ، وَيُسِير سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مَعَ العَبْد الَّذِي يَتَلَقَّى عِلْمهُ مَن اللّٰه بِغَيْر أَسْباب التَلَقِّي النَيّ نُعَرِّفها .

 

وَمَعَ مُنَزَّلَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام العَظِيمَة إِلّا أَن الخُضَر يَرْفَضّ صُحْبَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام .. يَفْهَمهُ إِنَّهُ لَن يَسْتَطِيع مَعَهُ صَبَّرا .. ثُمَّ يُوافِق عَلَى صَحِبتُهُ بِشَرَط .. أَنلا يَسْأَلهُ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام عَنَّ شَيْء حَتَّى يُحْدِثهُ الخُضَر عَنهُ .

 

وَالخَضِر هُوَ الصَمْت المُبْهَم ذاتهُ ، إِنَّهُ لا يَتَحَدَّث ، وَتَصَرُّفاتهُ تُثِير دَهِشَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام العَمِيقَة .. إِن هُناكَ تَصَرُّفات يَأْتِيها الخُضَر وَتَرْتَفِع أَمامَ عَيْنِي سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام حَتَّى لِتَصِل إِلَى مَرْتَبَة الجَرائِم وَالكَوارِث .. وَهْناكِ تَصَرُّفات تَبْدُو لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام بَلّاً مَعْنَى .. وَتُثِير تَصَرُّفات الخُضَر دَهِشَة سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمُعارَضتهُ .. وَرَغْم عَلَم سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام وَمُرَتَّبتهُ ، فَإِنَّهُ يُجِدّ نَفْسهُ فِي حَيْرَة عَمِيقَة مَن تَصَرُّفات هٰذا العَبْد الَّذِي آتاهُ اللّٰه مَن لَدَّننَهُ عَلَّما .

 

وَقَّدَ أَخْتَلِف العُلَماء فِي الخُضَر : فَيَهْم مَن يَعْتَبِرهُ وَلِيا مَن أَوْلِياء اللّٰه ، وَفِيهِم مَن يَعْتَبِرهُ نَبِيّا .. وَقَّدَ نَسَجتَ الأَساطِير نَفْسها حَوْلِ حَياتهُ وَوُجُودهُ ، فَقَيَّلَ إِنَّهُ لا يَزال حَيّاً إِلَى يَوْم القِيامَة ، وَهِيَ قَضِيَّة لِمَ تُرِد بِها نَصَوْص أُو آثار يُوثِق فِيها ، فَلا نَقُول فِيها إِلّا إِنَّهُ ماتَ كَمّا يُمَوِّت عَبّاد اللّٰه .. وَتُبْقَى قَضِيَّة وِلايتهُ ، أُو نَبَوتُهُ .. وَهِيَ قَضِيَّة مُحَيَّرَة حَقّاً .. نُرْجِئها حَنْي نَنْظُر فِي قِصّتهُ كَمّا أَوْرَدَها القُرْآن الكرِيم .

 

قامَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام خَطِيباً فِي بُنِّي إِسْرائِيل ، يَدْعُوهُم إِلَى اللّٰه وَيَحْدُثهُم عَنَّ أُلْحَق ، وَيَبْدُو أَن حَدِيثهُ جاءَ جامِعاً مانِعاً رائِعاً .. بَعُدَ أَن ٱِنْتَهَى مَن خِطابهُ سَأَلْه أَحُدّ المُسْتَمِعِيْنَ مَن بُنِّي إِسْرائِيل : هَل عَلَى وَجَّهَ الأَرْض أَحُدّ أُعْلَم مِنكِ يا نَبِيّ اللّٰه ؟

قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام مندفعا: لا ..

وَساق اللّٰه تَعالَىْ عِتابهُ لَسَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام حِينَ لِمَ يَرِد العِلْم إِلَيهِ ، فَبَعَثَ إِلَيهِ جِبْرِيل يَسْأَلهُ : يا سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام ما يُدْرِيكَ أَيَّننَ يُضِع اللّٰه عِلْمهُ ؟

أُدَرِّك سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام إِنَّهُ تَسْرُع .. وَعاد جِبْرِيل ، عَلِيّهُ السَلام ، يَقُول لَهُ : إِن لِاللّٰه عَبَّدا بِمُجَمِّع البَحْرَيْنِ هُوَ أُعَلِّم مِنكِ .

 

تاقَت نَفَّسَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام الكَرِيمَة إِلَى زِيادَة العِلْم ، وَٱِنْعَقَدتَ نِيّتهُ عَلَى الرَحِيل لِمُصاحَبَة هٰذا العَبْد العالَم .. سَأَلَ كَيْفَ السَبِيل إِلَيهِ .. فَأَمَّرَ أَن يَرْحَل ، وَإِن يَحْمِل مَعَهُ حَوَتا فِي مِكْتَل ، أَي سَمَكَة فِي سَلَّة .. وَفِيّ هٰذا المَكان الَّذِي تَرْتَد فِيهِ الحَياَة لِهٰذا الحُوت وَيَتَسَرَّب فِي البَحْر ، سَيُجِد العَبْد العالَم .. أَنْطَلِق سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -طالِب العِلْم – وَمَعَهُ فَتاهَ .. وَقَّدَ حَمَّلَ الفَتَى حَوَتا فِي سَلَّة .. ٱِنْطَلَقا بَحْثاً عَنَّ العَبْد الصالِح العالَم .. وَلَيِسَت لِدُهْم أَي عَلامَة عَلَى المَكان الَّذِي يُوجَد فِيهِ إِلّا مُعْجِزَة ٱِرْتِداد الحَياَة لِلسَمَكَة القابِعَة فِي السَلَّة وَتَسْرَبها إِلَى البَحْر .

 

وَيُظَهِّر عَزَمَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام -عَلِيّهُ السَلام – عَلَى العُثُور عَلَى هٰذا العَبْد العالَم وَلُو أَضْطَرّهُ الأَمْر إِلَى أَن يَسِير أَحْقاباً وَأَحْقاباً . قِيلَ أَن الحُقْب عامّ ، وَقِيلَ ثَمانُونَ عامّاً . عَلَى أَيَّة حال فَهُوَ تَعْبِير عَنَّ التَصْمِيم ، لا عَنَّ المُدَّة عَلَى وَجَّهَ التَحْدِيد .

 

وَإِذ قالَ سَيِّدنا مُوسَى مُوسَى مُوسَى عِلْيَة السَلام لِفَتاهُ لا أُبْرِح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع البَحْرَيْنِ أُو أُمَضِّي حُقْباً (60) فِلْماً بَلَغا مَجْمَع بَيْنَهُما نَسْياً حُوتهُما فَأَتَّخِذ سَبِيلهُ فِي البَحْر سِرْباً (61) فِلْماً جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتنا غَداءنا لَقَد لَقِيّنا مَن سَفَّرَنا هٰذا نَصَباً (62) قالَ أَرْأَيتُ إِذ أَوَينا إِلَى الصَخْرَة فَإِنِّي نَسِيتِ الحُوت وَما أنسانيه إِلّا الشَيْطان أَن أُذْكِرهُ وَأَتَّخِذ سَبِّي

 

عن mohamed sameer

Experienced Search Engine Optimization Specialist with a demonstrated history of working in the marketing and advertising industry. Strong marketing professional skilled in Search Engine Optimization (SEO), C Programming, swift Programming, Web Design, web development, Negotiation, Customer Service, and Procurement.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *