الثلاثاء , نوفمبر 13 2018
الرئيسية / الأطفال / قصة سيدنا ابراهيم

قصة سيدنا ابراهيم

قصة سيدنا ابراهيم

قصة سيدنا ابراهيم
قصة سيدنا ابراهيم

هو خليل الله، اصطفاه الله برسالته وفضله على عديد من خلقه، كان سيدنا ابراهيم  يقطن في أناس يعبدون الكواكب، فلم يكن يرضيه هذا، وأحس بفطرته أن هناك إلها أعظم حتى هداه الله واصطفاه برسالته، وأخذ سيدنا ابراهيم  يدعو قومه لوحدانية الله وعبادته ولكنهم كذبوه وحاولوا إحراقه فأنجاه الله من ضمن أيديهم، جعل الله الأنبياء من نسل سيدنا ابراهيم  فولد له إسماعيل وإسحاق، قام سيدنا ابراهيم  ببناء الكعبة مع إسماعيل

قصة سيدنا ابراهيم علية السلام

هو واحد من أولي العزم الخمسة الكبار الذين اخذ الله منهم ميثاقا غليظا، وهم: نوح وسيدنا ابراهيم  وموسى وعيسى ومحمد.. بتنظيم أرسلهم. وهو النبي الذي ابتلاه الله ببلاء موضح. بلوى فوق مقدرة الإنس وطاقة الأعصاب. ورغم حدة القوة، وعنت البلوى.. كان سيدنا ابراهيم  هو العبد الذي وفى. وازداد على الإخلاص بالإحسان.

وقد كرم الله تبارك وتعالى سيدنا ابراهيم  تكريما خاصا، فجعل ملته هي التوحيد الخالص النظيف من الشوائب. وجعل الذهن في منحى الذين يتبعون دينه.

وقد كان من فضل الله على سيدنا ابراهيم  أن جعله الله إماما للناس. وجعل في ذريته النبوة والكتاب. فكل الأنبياء من في أعقاب سيدنا ابراهيم  هم من نسله إستيعاب أبناءه وأحفاده. حتى إذا أتى آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، أتى تحقيقا واستجابة لدعوة سيدنا ابراهيم  التي دعا الله فيها أن يبعث في الأميين رسولا منهم.

ولو مضينا نبحث في فضل سيدنا ابراهيم  وتكريم الله له فسوف نمتلئ بالدهشة. نحن في مواجهة بشر أتى ربه بقلب سليم. إنسان لم يكد الله يقول له أسلم حتى صرح أسلمت لرب العالمين. نبي هو أول من سمانا المسلمين. نبي كان بشكل كبير وأبا لكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده. نبي هادئ متسامح حليم أواه منيب.

يذكر لنا ربنا ذو الجلال والإكرام أمرا آخر أفضل من كل ما في وقت سابق. فيقول الله عز وجل في محكم آياته: (وَاتَّخَذَ اللّهُ سيدنا ابراهيم  خَلِيلاً) لم يرد في كتاب الله أوضح لنبي، اتخذه الله خليلا غير سيدنا ابراهيم . صرح العلماء: الخُلَّة هي شدة المحبة. وهكذا تعني الآية: واتخذ الله سيدنا ابراهيم  حبيبا. فوق تلك القمة الشامخة يجلس سيدنا ابراهيم  عليه الصلاة والسلام. إن منتهى أمل السالكين، وغاية مقصد المحققين والعارفين بالله.. أن يحبوا الله عز وجل. أما أن يحلم أحدهم أن يحبه الله، أن يفرده بالحب، أن يختصه بالخُلَّة وهي شدة المحبة.. فذلك شيء خلف آفاق التصور. كان سيدنا ابراهيم  هو ذلك العبد الرباني الذي استحق أن يتخذه الله خليلا.

قصة النبي ابراهيم

لا يتحدث القرآن عن ميلاده أو طفولته، ولا يتوقف نحو عصره صراحة، ولكنه يرسم صورة لجو الحياة في أيامه، فتدب الحياة في عصره، وترى الناس قد انقسموا ثلاث فئات:

فئة تعبد الأصنام والتماثيل الخشبية والحجرية.

وفئة تعبد الكواكب والنجوم والشمس والقمر.

وفئة تعبد الملوك والحكام.

نشأة سيدنا ابراهيم  عليه السلام:

وفي ذلك الأحوال الجوية ولد سيدنا ابراهيم . ولد في عائلة من أسر هذا الزمن البعيد. لم يكن رب العائلة كافرا عاديا من عبدة الأصنام، كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل الآلهة. وقيل أن أباه توفي قبل ولادته فرباه عمه، وقد كان له باعتبار الأب، وقد كان سيدنا ابراهيم  يدعوه بلفظ الأبوة، وقيل أن أباه لم يمت وقد كان آزر هو أبوه حقا، وقيل أن آزر اسم صنم اشتهر والده بصناعته.. ومهما يكن من أمر فقد ولد سيدنا ابراهيم  في تلك العائلة.

رب العائلة أعظم نحات يصنع تماثيل الآلهة. ومهنة الأب تضفي عليه قداسة خصوصا في قومه، وتجعل لأسرته كلها مكانا ممتازا في المجتمع. هي عائلة مرموقة، عائلة من الصفوة الحاكمة.

من تلك العائلة المقدسة، ولد طفل قدر له أن يقف مقابل عائلته وعكس نسق مجتمعه وعكس أوهام قومه وعكس ظنون الكهنة وعكس العروش القائمة وعكس عبدة النجوم والكواكب وعكس كل أشكال الشرك باختصار.

مرت الأيام.. وكبر سيدنا ابراهيم .. كان قلبه يمتلأ من طفولته بكراهية صادقة لتلك التماثيل التي يصنعها أبوه. لم يكن يفهم كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصنع بيديه تمثالا، ثم يسجد عقب هذا لما صنع بيديه. لاحظ سيدنا ابراهيم  إن تلك التماثيل لا تشرب ولا تأكل ولا تتكلم ولا يمكنها أن تعتدل لو قلبها واحد من على جنبها. كيف يتصور الناس أن تلك التماثيل تضر وتنفع؟!

قصة ابراهيم عليه السلام

قرر سيدنا ابراهيم  عليه السلام مجابهة عبدة النجوم من قومه، فأعلن عندما رأى واحد من الكواكب ليلا، أن ذلك الكوكب ربه. ويظهر أن قومه اطمأنوا له، وحسبوا أنه يرفض عبادة التماثيل ويهوى عبادة الكواكب. وقد كانت الملاحة حرة بين الوثنيات الثلاث: عبادة التماثيل والنجوم والملوك. غير أن سيدنا ابراهيم  كان يدخر لقومه مفاجأة مذهلة في الفجر. لقد أفل الكوكب الذي التحق بديانته بالأمس. وسيدنا ابراهيم  لا يحب الآفلين. فعاد سيدنا ابراهيم  في الليلة الثانية ينشر لقومه أن القمر ربه. لم يكن قومه على درجة كافية من الذكاء ليدركوا أنه يسخر منهم برفق ولطف وحب. كيف يعبدون ربا يختفي ثم يتضح. يأفل ثم يشرق. لم يفهم قومه ذلك في أول مرة فكرره مع القمر. إلا أن القمر كالزهرة كأي كوكب آخر.. يتضح ويختفي. فقال سيدنا ابراهيم  عدما أفل القمر (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) نلمح هنا أنه عندما ينتج ذلك قومه عن رفضه لألوهية القمر.. فإنه يمزق العقيدة القمرية بهدوء ولطف. كيف يعبد الناس ربا يختفي ويأفل. (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) يفهمهم أن له ربا غير كل ما يعبدون. غير أن اللفتة لا تبلغ إليهم. ويعاود سيدنا ابراهيم  محاولته في معيشة الحجة على الفئة الأولى من قومه.. عبدة الكواكب والنجوم. فيعلن أن الشمس ربه، لأنها أضخم من القمر. وما أن غابت الشمس، حتى أفصح براءته من عبادة النجوم والكواكب. فكلها مغلوقات تأفل. وأنهى جولته الأولى بتوجيهه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا.. ليس مشركا مثلهم.

تمَكّنت حجة سيدنا ابراهيم  أن تبدو الحق. وبدأ صراع قومه معه. لم يسكت عنه عبدة النجوم والكواكب. بدءوا جدالهم وتخويفهم له وتهديده. ورد سيدنا ابراهيم  عليهم صرح:

أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) (الأنعام)

لا نعرف رهبة الانقضاض عليه. ولا حدة المناحرة ضده، ولا كيفية قومه الذي اتبعه معه لتخويفه. تخطى القرآن ذلك كله إلى رده هو. كان جدالهم باطلا فأسقطه القرآن من الرواية، وأوضح رد سيدنا ابراهيم  المنطقي العاقل. كيف يخوفونه ولا يخافون هم؟ أي الفريقين أحق بالأمن؟

بعدما بين سيدنا ابراهيم  عليه السلام حجته لفئة عبدة النجوم والكواكب، استعد لتبيين حجته لعبدة الأصنام. آتاه الله الحجة في أول مرة كما سيؤتيه الحجة في جميع مرة.

سبحانه.. كان يؤيد سيدنا ابراهيم  ويريه ملكوت السماوات والأرض. لم يكن معه غير إسلامه حين بدأ صراعه مع عبدة الأصنام. تلك المرة يأخذ التشاحن شكلا أعظم حدة. والده في الموضوع.. تلك وظيفة الأب وسر مكانته وموضع إقرار الأناس.. وهي العبادة التي اتباعها الأغلبية

مجابهة عبدة الأصنام:

خرج سيدنا ابراهيم  على قومه بدعوته. صرح بحسم غاضب وغيرة على الحق:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا أغسطسَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَشهر أغسطسَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) (الأنبياء)

اختتم الشأن وبدأ المناحرة بين سيدنا ابراهيم  وقومه.. كان أشدهم ذهولا وغضبا هو أباه أو عمه الذي رباه كأب.. واشتبك الأب والابن في المشاحنة. فصلت بينهما المبادئ فاختلفا.. الابن يقف مع الله، والأب يقف مع الباطل.

أفاد الأب لابنه: مصيبتي فيك هائلة يا سيدنا ابراهيم .. لقد خذلتني وأسأت إلي.

صرح سيدنا ابراهيم :

يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) (مريم)

انتفض الأب واقفا وهو يرتعش من الحنق. أفاد لسيدنا ابراهيم  وهو ثائر إن لم تتوقف عن دعوتك تلك فسوف أرجمك، سأقتلك ضربا بالحجارة. ذلك عقوبة من يقف مقابل الآلهة.. اخرج من بيتي.. لا أريد أن أراك.. اخرج.

اختتم الشأن وأسفر التشاحن عن طرد سيدنا ابراهيم  من بيته. كما أدى الى تخويفه بالقتل رميا بالحجارة. رغم هذا إجراء سيدنا ابراهيم  كابن بار ونبي كريم. خاطب أباه بكل لطف الأنبياء. صرح لأبيه ردا على الإهانات والتجريح والطرد والتهديد بالقتل:

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) (مريم)

وخرج سيدنا ابراهيم  من منزل أبيه. هجر قومه وما يعبدون بلا الله. وقرر في ذاته أمرا. كان يعلم أن هناك احتفالا عظيما يتم إقامة على الضفة الأخرى من النهر، وينصرف الناس جميعا إليه. وانتظر حتى أتى الاحتفال وخلت المدينة التي يقطن فيها من الناس.

وخرج سيدنا ابراهيم  حذرا وهو يعني بخطاه المعبد. كانت الشوارع المؤدية إلى المعبد شاغرة. وقد كان المعبد ذاته مهجورا. انتقل كل الناس إلى الاحتفال. دخل سيدنا ابراهيم  المعبد ومعه فأس حادة. نظر إلى تماثيل الآلهة المنحوتة من الصخر والخشب. نظر إلى الغذاء الذي وضعه الناس في مواجهتها كنذور وهدايا. اقترب سيدنا ابراهيم  من التماثيل وسألهم: (أَلَا تَأْكُلُونَ) كان يسخر منهم ويعرف أنهم لا يأكلون. وعاد يسأل التماثيل: (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) ثم هوى بفأسه على الآلهة.

وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع ضئيلة من الحجارة والأخشاب المهشمة.. سوى عظيم الأصنام فقد تركه سيدنا ابراهيم  (لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو موجود فلم يدفع عن صغار الآلهة! ولعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم.

لكن أناس سيدنا ابراهيم  الذين عطّلت الخرافة أذهانهم عن التفكير، وغلّ التقليد أفكارهم عن التأمل والتدبر. لم يسألوا أنفسهم: إن كانت تلك آلهة فكيف حدث لها ما حدث دون أن تدفع عن أنفسها شيئا؟! وذلك كبيرها كيف لم يدفع عنها؟! وعوضا عن هذا (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ).

عندئذ تذكر الذين سمعوا سيدنا ابراهيم  ينكر على أبيه ومن معه عبادة التماثيل، ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم عقب انصرافهم عنها!

فأحضروا سيدنا ابراهيم  عليه السلام، وتجمّع الناس، وسألوه (أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا سيدنا ابراهيم )؟ فأجابهم سيدنا ابراهيم  (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) والسخرية ملحوظ في ذلك الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية تلك كذبة من سيدنا ابراهيم  -عليه السلام- والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من ذلك بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن تلك التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم ذلك الصنم الهائل الذي ليس لديه مثلها حراكا. فهي جماد لا وعي له أصلا. وأنتم ايضاً مثلها مسلوبو الوعي لا تميزون بين الممكن والمستحيل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أم أن ذلك التمثال هو الذي حطمها!

ويظهر أن ذلك السخرية الساخر قد هزهم هزا، وردهم إلى شيء من التدبر التفكر:

فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) (الأنبياء)

وقد كانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لتلك التماثيل من بغي. وأن تتفتح بصيرتهم للمرة الأولى فيتدبروا هذا السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وهذا البغي الذي هم فيه سادرون. ولكنها لم تكن سوى ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا خفقة واحدة رجعت بعدها قلوبهم إلى الخمود:

ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (65) (الأنبياء)

وحقا كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وقد كانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب.. كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر. أما الثانية فكانت انقلابا على الدماغ فلا ذهن ولا تفكير. وإلا فإن قولهم ذلك الأخير هو الحجة عليهم. وأية حجة لسيدنا ابراهيم  أشد من أن هؤلاء لا ينطقون؟

ووفقا لذلك يجيبهم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم:

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) (الأنبياء)

وهي قولة يتضح فيها ضيق الصدرن وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يمر كل مألوف.

نحو هذا أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة باستمرار حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل، فيلجأون إلى الشدة الغاشمة والعذاب الغليظ:

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) (الأنبياء)

معجزة سيدنا ابراهيم

وفعلا.. بدأ التأهب لإحراق سيدنا ابراهيم . تشعبت وتوسّع الخبر في المملكة كلها. وأتى الناس من القرى والجبال والمدن ليشهدوا عقوبة الذي تجرأ على الآلهة وحطمها واعترف بهذا وسخر من الكهنة. وحفروا حفرة كبيرة ملئوها بالحطب والخشب والأشجار. وأشعلوا فيها النار. وأحضروا المنجنيق وهو ماكينة جبارة ليقذفوا سيدنا ابراهيم  فيها فيسقط في حفرة النار.. ووضعوا سيدنا ابراهيم  بعدما قيدوا يديه وقدميه في المنجنيق. واشتعلت النار في الحفرة وتصاعد اللهب إلى السماء. وقد كان الناس يقفون بعيدا عن الحفرة من فرط السخونة اللاهبة. وأصدر هائل الكهنة طالبه بافتتاح سيدنا ابراهيم  في النار.

أتى جبريل عليه السلام ووقف نحو رأس سيدنا ابراهيم  وسأله: يا سيدنا ابراهيم .. ألك عوز؟

أفاد سيدنا ابراهيم : أما إليك فلا.

انطلق المنجنيق ملقيا سيدنا ابراهيم  في حفرة النار. كانت النار حاضرة في موضعها، ولكنها لم تكن تمارس وظيفتها في الإحراق. فقد نشر الله جل جلاله إلى النار طلب منه بأن تكون (بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى سيدنا ابراهيم ). أحرقت النار قيوده لاغير. وجلس سيدنا ابراهيم  وسطها كأنه يجلس وسط حديقة. كان يسبّح بحمد ربه ويمجّده. لم يكن في قلبه موضع خال من الممكن أن يمتلئ بالخوف أو الرهبة أو الجزع. كان الفؤاد مليئا بالحب وحده. ومات الرهاب. وتلاشت الرهبة. واستحالت النار إلى سلام منخض الحرارة يلطف عنه سخونة الطقس.

جلس الكهنة والناس يرقبون النار من بعيد. كانت حرارتها تبلغ إليهم بصرف النظر عن بعدهم عنها. وظلت النار تشتعل مرحلة طويلة حتى ظن الكافرون أنها لن تنطفئ بأي حال من الأحوال. فلما انطفأت فوجئوا بسيدنا ابراهيم  يطلع من الحفرة سليما كما دخل. ووجهه يتلألأ بالنور والجلال. وثيابه كما هي لم تحترق. وليس عليه أي أثر للدخان أو الحريق.

خرج سيدنا ابراهيم  من النار كما إذا كان يطلع من حديقة. وتصاعدت صيحات الزهول الكافرة. خسروا جولتهم ضياع مريرة وساخرة.

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) (الأنبياء)

لا يحدثنا القرآن الكريم عن عمر سيدنا ابراهيم  حين حطم أصنام قومه، لا يحدثنا عن العمر التي كلف فيها بالدعوة إلى الله. ويظهر من استقراء المقالات القديمة أن سيدنا ابراهيم  كان شابا صغيرا حين إجراء هذا، بدليل قول قومه عنه: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ سيدنا ابراهيم ). وكلمة الفتى تطلق على العمر التي تسبق العشرين.

مجابهة عبدة الملوك:

إن زمن اصطفاء الله سبحانه وتعالى لسيدنا ابراهيم  غير معين في القرآن. وهكذا فنحن لا يمكننا أن نقطع فيه بجواب ختامي. كل ما يمكننا أن نقطع فيه برأي، أن سيدنا ابراهيم  أقام الحجة على عبدة التماثيل على نحو قاطع، كما أقامها على عبدة النجوم والكواكب من قبل على نحو حاسم، ولم يبق لكن تتم إقامة الحجة على الملوك المتألهين وعبادهم.. وهكذا تقوم الحجة على جميع الكافرين.

فذهب سيدنا ابراهيم  عليه السلام لملك متألّه كان في وقته. وتجاوز القرآن اسم الملك لانعدام أهميته، إلا أن روي أن الملك المعاصر لسيدنا ابراهيم  كان يلقب (بالنمرود) وهو ملك الآراميين بالعراق. كما تخطى حقيقة مشاعره، كما تخطى المحادثات الطويل الذي دار بين سيدنا ابراهيم  وبينه. إلا أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم أخبرنا الحجة الأولى التي أقامها سيدنا ابراهيم  عليه السلام على الملك الطاغية، فقال سيدنا ابراهيم  بهدوء: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ)

صرح الملك: (أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ) أستطيع أن أحضر رجلا سلس في الشارع وأقتله، وأستطيع أن أعفو عن محكوم عليه بالإعدام وأنجيه من الوفاة.. وهكذا أكون قادرا على الحياة والموت.

لم يجادل سيدنا ابراهيم  الملك لسذاجة ما يقول. غير أنه أراد أن يثبت للملك أنه يتوهم في ذاته القدرة وهو في الحقيقة ليس قادرا. فقال سيدنا ابراهيم : (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)

استمع الملك إلى تحدي سيدنا ابراهيم  صامتا.. فلما اختتم خطاب النبي بهت الملك. أحس بالعجز ولم يستطع أن يجيب. لقد أثبت له سيدنا ابراهيم  أنه كاذب.. أفاد له إن الله يجيء بالشمس من المشرق، فهل يمكنه هو أن يجيء بها من المغرب.. إن للكون نظما وقوانين يسير طبقا لها.. قوانين خلقها الله ولا يمكنه أي مخلوق أن يتحكم فيها. ولو كان الملك صادقا في ادعائه الألوهية فليغير نسق الكون وقوانينه.. ساعتها أحس الملك بالعجز.. وأخرسه التحدي. ولم يعلم ماذا يقول، ولا كيف يتصرف. انصرف سيدنا ابراهيم  من قصر الملك، بعدما بهت الذي كفر.

هجرة النبي ابراهيم

انطلقت شهرة سيدنا ابراهيم  في المملكة كلها. تتم الناس عن معجزته ونجاته من النار، وقال الناس عن موقفه مع الملك وكيف أخرس الملك فلم يعلم ماذا يقول. واستمر سيدنا ابراهيم  في دعوته لله تعالى. بذل جهده ليهدي قومه، سعى إقناعهم بكل الوسائل، ورغم حبه لهم وحرصه عليهم فقد حنق قومه وهجروه، ولم يؤمن معه من قومه إلا امرأة ورجل واحد. امرأة تسمى سارة، وقد صارت في وقت لاحق قرينته، ورجل هو لوط، وقد صار نبيا في وقت لاحق. وحين وعى سيدنا ابراهيم  أن أحدا لن يؤمن بدعوته. قرر الهجرة.

قبل أن يهاجر، دعا أبوه للإيمان، ثم تبين لسيدنا ابراهيم  أن أبوه عدو لله، وأنه لا ينتوي الإيمان، فتبرأ منه وقطع علاقته به.

للمرة الثانية في روايات الأنبياء نصادف تلك المفاجأة. في رواية نوح كان الأب نبيا والابن كافرا، وفي حكاية سيدنا ابراهيم  كان الأب كافرا والابن نبيا، وفي القصتين نشاهد المؤمن ينشر براءته من عدو الله رغم كونه ابنه أو أبوه، وكأن الله يفهمنا عن طريق الرواية أن الرابطة الوحيدة التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين الناس، هي رابطة الإيمان لا رابطة الميلاد والدم.

خرج سيدنا ابراهيم  عليه السلام من بلده وبدأ هجرته. سافر إلى مدينة تدعى أور. ومدينة تسمى حاران. ثم رحل إلى فلسطين ومعه قرينته، المرأة الوحيدة التي آمنت به. وصحب معه لوطا.. الرجل الأوحد الذي آمن به.

عقب فلسطين ذهب سيدنا ابراهيم  إلى جمهورية مصر العربية. وطوال ذلك الوقت وأثناء تلك الرحلات كلها، كان يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحارب في طريقه، ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل بين الناس، ويهديهم إلى الحقيقة والحق.

وتأتي بعض الحكايات لتبين رواية سيدنا ابراهيم  عليه السلام وقرينته سارة وموقفهما مع ملك جمهورية مصر العربية. فتقول:

بلغت الأنباء لملك جمهورية مصر العربية بوصول رجل لمصر معه أمرأة هي أجمل سيدات الأرض. فطمع بها. وأرسل جنوده ليأتونه بتلك المرأة. وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها، فإن كان قرينها فليقتلوه. فجاء الوحي لسيدنا ابراهيم  عليه السلام بهذا. فقال سيدنا ابراهيم  -عليه السلام- لسارة إن سألوك عني فأنت أختي -أي شقيقته في الله-، وتحدث لها ما على تلك الأرض مؤمن غيري وغيرك -فكل أهل جمهورية مصر العربية كفرة، ليس فيها متحد لله عز وجل. فجاء العساكر وسألوا سيدنا ابراهيم : ما تكون تلك منك؟ أفاد: أختي.

لنقف هنا طفيفا.. صرح سيدنا ابراهيم  حينما أفاد لقومه (إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم ذلك فاسألوه) و (هي أختي). كلها مفردات تحتمل التاويل. إلا أن مع ذلك كان سيدنا ابراهيم  عليه السلام خائفا للغاية من حسابه على تلك المفردات يوم القايمة. فعندما يذهب الإنس له يوقم القيامة ليدعوا الله أن يبدأ الحساب يقول لهم لا إني كذب على ربي ثلاث مرات.

ونجد أن الإنس هذه اللحظة يكذبون في مواجهة الناس من غير استحياء ولا رهاب من خالقهم.

لما عرفت سارة أن ملك جمهورية مصر العربية فاجر ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي سوى على زوجي فلا تسلط علي الكافر.

فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في موضعها، فبدأ بالصراخ لأنه لم يعد يمكنه تحريكها، وأتى أعوانه لمساعدته لكنهم لم يستطيعوا إجراء شيء. فخافت سارة على ذاتها أن يقتلوها نتيجة لـ ما فعلته بالملك. فقالت: يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب الله لدعائها.

إلا أن الملك لم يتب وظن أن ما وقع كان أمرا عابرا وذهب. فهجم عليها مرة ثانية. فشلّ مرة أخرى. فقال: فكيني. فدعت الله سبحانه وتعالى فَفَكّه. فمد يده ثالثة فشلّ. فقال: فكيني وأطلقك وأكرمك. فدعت الله تعالى فَفُك. فصرخ الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني بإنسان بل أتيتموني بشيطان.

فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب، كما أعطاها أَمَةً اسمها “هاجر”.

تلك الحكاية مشهورة عن دخول سيدنا ابراهيم  -عليه السلام- لمصر.

وقد كانت قرينته سارة لا تلد. وقد كان ملك جمهورية مصر العربية قد أهداها سيدة مصرية لتصبح في خدمتها، وقد كان سيدنا ابراهيم  قد صار شيخا، وابيض شعره عن طريق عمر أبيض أنفقه في الدعوة إلى الله، وفكرت سارة إنها وسيدنا ابراهيم  وحيدان، وهي لا تنجب أولادا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتصبح زوجة لزوجها؟ وقد كان اسم المصرية “هاجر”. وبذلك زوجت سارة سيدنا سيدنا ابراهيم  من هاجر، وولدت هاجر ابنها الأول فأطلق أبوه عليه اسم “إسماعيل”. كان سيدنا ابراهيم  شيخا حين ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل.

ولسنا نعرف أبعاد المسافات التي قطعها سيدنا ابراهيم  في رحلته إلى الله. كان باستمرار هو الراكب إلى الله. سواء ثبت به المقام في بيته أو حملته خطواته سائحا في الأرض. مهاجر إلى الله يعرف إنها أيام على الأرض وبعدها يأتي الوفاة ثم ينفخ في الصور وتقوم قيامة الأموات ويقع البعث.

إحياء الموتى:

ملأ اليوم الآخر قلب سيدنا ابراهيم  بالسلام والحب واليقين. وأراد أن يشاهد يوما كيف يحيي الله عز وجل الموتى. حكى الله ذلك الموقف في سورة (البقرة).. صرح تعالى:

وَإِذْ قَالَ سيدنا ابراهيم  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

لا تكون تلك الرغبة في طمأنينة الفؤاد مع الإيمان سوى درجة من درجات الحب لله.

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

تصرف سيدنا ابراهيم  ما طلب منه به الله. ذبح أربعة من الطير وفرق أجزاءها على الجبال. ودعاها باسم الله فنهض الريش يلحق بجناحه، وبحثت الصدور عن رؤوسها، وتطايرت أجزاء الطير مندفعة باتجاه الالتحام، والتقت الضلوع بالقلوب، وسارعت الأجزاء الذبيحة للالتئام، ودبت الحياة في الطير، وأتت طائرة مسرعة ترمي بنفسها في أحضان سيدنا ابراهيم . اعتقد بعض المفسرين إن تلك التجربة كانت حب استكشاف من سيدنا ابراهيم . واعتقد بعضهم أنه أراد أن يشاهد يد ذي الجلال الخالق وهي تعمل، فلم ير الكيفية وإن رأى النتيجة. واعتقد بعض المفسرين أنه اكتفى بما قاله له الله ولم يذبح الطير. ونعتقد أن تلك التجربة كانت درجة من درجات الحب قطعها الراكب إلى الله. سيدنا ابراهيم .

سفرية سيدنا ابراهيم  مع هاجر وإسماعيل لوادي مكة:

استيقظ سيدنا ابراهيم  يوما فأمر قرينته هاجر أن تحمل ابنها وتستعد لرحلة طويلة. وبعد أيام بدأت سفرية سيدنا ابراهيم  مع قرينته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل. وقد كان الطفل رضيعا لم يفطم في أعقاب. وظل سيدنا ابراهيم  لين وسط أرض مزروعة تأتي بعدها صحراء تجيء بعدها جبال. حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد سيدنا ابراهيم  واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب. كان الوادي يخلو كليا من إشارات الحياة. بلغ سيدنا ابراهيم  إلى الوادي، وانخفض من فوق ظهر دابته. وأنزل قرينته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الغذاء، وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار.

أسرعت خلفه قرينته وهي تقول له: يا سيدنا ابراهيم  أين تذهب وتتركنا بذلك الوادي الذي ليس فيه شيء؟

لم يرد عليها سيدنا سيدنا ابراهيم . دام سلس. آبت تقول له ما قالته وهو صامت. في النهاية فهمت أنه لا يتصرف هكذا من ذاته. أدركت أن الله كلفه بهذا وسألته: هل الله أمرك بذلك؟ صرح سيدنا ابراهيم  عليه السلام: نعم.

صرحت قرينته المؤمنة الكبيرة: لن نضيع طالما الله معنا وهو الذي أمرك بذلك. وسار سيدنا ابراهيم  حتى إذا أخفاه جبل عنهما إيقاف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ).

لم يكن منزل الله قد أعيد بناؤه في أعقاب، لم تكن الكعبة قد بنيت، وقد كانت هناك حكمة عليا في تلك السلوكيات الغامضة، فقد كان إسماعيل الطفل الذي ترك مع والدته في ذلك الموضع، كان ذلك الطفل هو الذي سيصير مسؤولا مع أبوه عن تشييد الكعبة في وقت لاحق. وقد كانت حكمة الله تقضي أن ينبسط العمران إلى ذلك الوادي، وأن يتم إقامة فيه منزل الله الذي نتجه جميعا إليه خلال الصلاة بوجوهنا.

ترك سيدنا ابراهيم  قرينته وابنه الرضيع في الصحراء وعاد راجعا إلى كفاحه في مناشدة الله. أرضعت أم إسماعيل ابنها وأحست بالعطش. كانت الشمس ملتهبة وساخنة وتثير الشعور بالعطش. عقب 48 ساعةٍ اختتم الماء كليا، وجف حليب الأم. وأحست هاجر وإسماعيل بالعطش.. كان الغذاء قد اختتم هو الآخر. وبدا الموقف صعبا وحرجا جدا.

ماء زمزم:

بدأ إسماعيل يذرف الدمع من العطش. وتركته والدته وانطلقت تبحث عن ماء. راحت تسير مسرعة حتى بلغت إلى جبل اسمه “الصفا”. فصعدت إليه وراحت تبحث بهما عن بئر أو إنسان أو موكب. لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا حتى إذا بلغت إلى الوادي راحت تحاول سعي الإنسان المجهد حتى جاوزت الوادي وبلغت إلى جبل “المروة”، فصعدت إليه ونظرت لترى أحدا لكنها لم تر أحدا. وعادت الأم إلى ابنها الصغير فوجدته ينتحب وقد اشتد عطشه. وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه. وراحت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين. سبع مرات وهي تذهب وترجع. ولذا يذهب الحجاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إحياء لذكريات والدتهم الأولى ونبيهم الكبير إسماعيل. آبت هاجر عقب المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث. وجلست بالقرب من ابنها الذي كان صوته قد بح من البكاء والعطش.

وفي تلك اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يذرف الدمع فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم. وفار الماء من البئر. أنقذت حياتا الطفل والأم. راحت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله. وشربت وسقت ابنها الصغير وبدأت الحياة تدب في المساحة. صدق ظنها حين صرحت: لن نضيع طالما الله معنا.

وبدأت بعض القوافل تستقر في المساحة. وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس. وبدأ العمران يبسط أجنحته على المقر.

الشأن بذبح إسماعيل عليه السلام:

كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب سيدنا ابراهيم .. جاءه العقب على كبر فأحبه.. وابتلى الله سبحانه وتعالى سيدنا ابراهيم  بلوى عظيما نتيجة لـ ذلك الحب. فقد رأى سيدنا ابراهيم  عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الأوحد إسماعيل. وسيدنا ابراهيم  يعمل أن رؤيا الأنبياء وحي.

انظر كيف يختبر الله عباده. تطمح أي نوع من أشكال الامتحان. نحن في مواجهة نبي قلبه أرحم قلب في الأرض. اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في العمر ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس له غيره.

أي نوع من المناحرة نشب في ذاته. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينتج ذلك قط. لا يكون بلوى موضحا ذلك الموقف الذي يخلو من المناحرة. نشب التشاحن في نفس سيدنا ابراهيم .. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. إلا أن سيدنا ابراهيم  لم يسأل عن الداعِي خلف ذبح ابنه. فليس سيدنا ابراهيم  من يسأل ربه عن أوامره.

بال سيدنا ابراهيم  في نجله.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأمثل أن يقول لنجله ليصبح هذا أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. ذلك أفضل.. اختتم الشأن وذهب إلى نجله (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى). انظر إلى تلطفه في إبلاغ نجله، وترك الشأن لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الشأن مقضي في نظر سيدنا ابراهيم  لأنه وحي من ربه.. فماذا يشاهد الابن الكريم في هذا؟ أجاب إسماعيل: ذلك أمر يا والدي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). تطمح رد الابن.. إنسان يعلم أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن أبوه أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربما استعذب الابن أن يلقى حتفه ذبحا بأمر من الله.. ها هو ذا سيدنا ابراهيم  يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس سيدنا ابراهيم  في أعقاب استسلام ابنه الصابر.

ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كيلا يشاهد ذاته وهو يذبح. وإذا سيدنا ابراهيم  يقوم برفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن ذلك التعبير.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) ذلك هو الإسلام الحقيقي.. تمنح جميع الأشياء، فلا يتبقى منك شيء.

عندئذ لاغير.. وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء كلفه.. نادى الله سيدنا ابراهيم .. اختتم اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح هائل – وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا عقب، هم المسلمون. صارت تلك اللحظات عيدا للمسلمين. عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه سيدنا ابراهيم  وإسماعيل.

ومضت حكاية سيدنا ابراهيم . ترك نجله إسماعيل وعاد يضرب في أرض الله داعيا إليه، خليلا له وحده. ومرت الأيام. كان سيدنا ابراهيم  قد هاجر من أرض الكلدانيين محل مولده في دولة العراق وعبر مملكة الأردن واستقر في أرض كنعان في البادية. ولم يكن سيدنا ابراهيم  ينسى أثناء دعوته إلى الله أن يسأل عن أنباء لوط مع قومه، وقد كان لوط أول من آمن به، وقد أثابه الله بأن بعثه نبيا إلى أناس من الفاجرين العصاة.

البشرى بإسحاق:

كان سيدنا ابراهيم  جالس لوحده. في تلك اللحظة، هبطت على الأرض أقدام ثلاثة من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل. يتشكلون في صور بشرية من الحُسن الخارق. ساروا صامتين. مهمتهم مزودجة. المرور على سيدنا ابراهيم  وتبشيره. ثم زيارة أناس لوط ووضع حاجز لجرائمهم.

سار الملائكة الثلاثة طفيفا. ألقى أحدهم حصاة في مواجهة سيدنا ابراهيم . رفع سيدنا ابراهيم  رأسه.. تطمح وجوههم.. لا يعلم أحدا فيهم. بادروه بالتحية. تحدثوا: سلاما. صرح: سلام.

نهض سيدنا ابراهيم  ورحب بهم. أدخلهم بيته وهو يظن أنهم ضيوف وغرباء. أجلسهم واطمأن أنهم قد اطمأنوا، ثم استأذن وخرج. راغ إلى أهله.

نهضت قرينته سارة حين دخل عليها. كانت عجوزا قد ابيض شعرها ولم يعد يتوهج بالشباب فيها غير وميض الإيمان الذي يطل من عينيها.

صرح سيدنا ابراهيم  لزوجته: زارنا ثلاثة غرباء.

سألته: من يكونون؟

صرح: لا أعرف أحدا فيهم. وجوه غريبة على الموضع. لا ريب أنهم من موضع بعيد، غير أن ملابسهم لا تشي بالسفر الطويل. أي طعام مستعد لدينا؟

أفادت: 1/2 شاة.

أفاد وهو يهم بالانصراف: 1/2 شاة.. اذبحي لهم عجلا سمينا. هم ضيوف وغرباء. ليست معهم دواب أو أحمال أو طعام. على الارجح كانوا جوعى وربما كانوا محتاجين.

اختار سيدنا ابراهيم  عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله وذبحوه. وبدأ شواء العجل على الحجارة الساخنة. وأعدت المائدة. ودعا سيدنا ابراهيم  ضيوفه إلى الغذاء. نوه سيدنا ابراهيم  بيده أن يتفضلوا باسم الله، وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان سيدنا ابراهيم  كريما يعلم أن الله لا يتنازل عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير ذلك العجل، وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا هائل الكرم. راح سيدنا ابراهيم  يأكل ثم استرق البصر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون. لاحظ أن أحدا لا يمد يده إلى الغذاء. قرب إليهم الأكل وصرح: ألا تأكلون؟ رجع إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون.. رأى أيديهم لا تبلغ إلى الغذاء. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). في تقاليد البادية التي عاش فيها سيدنا ابراهيم ، كان معنى امتناع الضيوف عن الغذاء أنهم يقصدون شرا بصاحب المنزل.

ولاحظ سيدنا ابراهيم  بينه وبين ذاته زيادة عن ملاحظة تؤيد غرابة ضيوفه. لاحظ أنهم دخلوا عليه فجأة. لم يرهم سوى وهم نحو رأسه. لم يكن معهم دواب تحملهم، لم تكن معهم أحمال. وجوههم غريبة كليا عليه. كانوا مهاجرين وليس عليهم أثر لتراب السفر. ثم ها هو ذا يدعوهم إلى طعامه فيجلسون إلى المائدة ولا يأكلون. ارتفع رهاب سيدنا ابراهيم .

كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في ذاته، دون أن يشي بها وجهه. صرح له واحد من الملائكة: (لاَ تَخَفْ). رفع سيدنا ابراهيم  رأسه وصرح بصدق هائل وبراءة: اعترف إنني خائف. لقد دعوتكم إلى الغذاء ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شرا؟

ابتسم واحد من الملائكة وصرح: نحن لا نأكل يا سيدنا ابراهيم .. نحن ملائكة الله.. وقد (أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

ضحكت زوجة سيدنا ابراهيم .. كانت لائحة تكرار المحادثات بين قرينها وبينهم، فضحكت.

التفت إليها واحد من الملائكة وبشرها بإسحاق.

صكت العجوز وجهها تعجبا:

قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) (هود)

رجع واحد من الملائكة يقول لها:

وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ

جاشت المشاعر في قلب سيدنا ابراهيم  وقرينته. شف أحوال جوية القاعة وانسحب رهاب سيدنا ابراهيم  واحتل قلبه نوع من أشكال الفرح الغريب المختلط. كانت قرينته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف. إن بشارة الملائكة تهز روحها هزا عميقا. إنها عجوز عقيم وقرينها شيخ هائل. كيف؟! كيف يمكن؟!

وسط ذلك الطقس الندي المضطرب تساءل سيدنا ابراهيم :

أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) (الحجر)

أكان يرغب في أن يسمع البشارة مرة ثانية؟ أكان يرغب في أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا بشريا يرغب في أن يستوثق؟ ويهتز بالفرح مرتين عوضا عن مرة واحدة؟ شدد له الملائكة أنهم بشروه بالحق.

قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) (الحجر)

قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (56) (الحجر)

لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح.

لم تكن البشرى شيئا بسيطا في حياة سيدنا ابراهيم  وقرينته. لم يكن لسيدنا ابراهيم  غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية. ولم تكن قرينته سارة قد أنجبت أثناء عشرتها الطويلة لسيدنا ابراهيم ، وهي التي قرينته من جاريتها هاجر. ومن هاجر أتى إسماعيل. أما سارة، فلم يكن لها ولد. وقد كان حنينها إلى الولد عظيما، لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات. كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.

هكذا أراد الله لها. وبالتالي أراد لزوجها. ثم ها هي ذي في مغيب السن تتلقى البشارة. ستلد غلاما. ليس ذلك فحسب، بشرتها الملائكة بأن ابنها سوف يكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته. لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت. ثم يأتي عقوبة الله مفاجأة تمحو ذلك كله في لحظة.

فاضت دموعها وهي تقف. وأحس سيدنا ابراهيم  عليه الصلاة والسلام بإحساس محير. جاشت ذاته بمشاعر الرحمة والقرب، وعاد يحس بأنه إزاء نعمة لا يعلم كيف يوفيها حقها من الحمد. وخرّ سيدنا ابراهيم  ساجدا على وجهه.

اختتم الشأن وسكنت البشرى في ذهنيهما سويا. نهض سيدنا ابراهيم  من سجوده وقد ذهب عنه خوفه، واطمأنت حيرته، وغادره الروع، واستقرت قلبه البشرى التي حملوها إليه. وتذكر أنهم أرسلوا إلى أناس لوط. ولوط ابن شقيقهُ النازح معه من محل مولده، والساكن مقربين له. وسيدنا ابراهيم  يعلم معنى إرسال الملائكة إلى لوط وقومه. ذلك معناه سقوط عذاب مروع. وطبيعة سيدنا ابراهيم  الرحيمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك أناس في تسليم. من المحتمل عاد أناس لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم.

وبدأ سيدنا ابراهيم  يجادل الملائكة في أناس لوط. حدثهم عن احتمال إيمانهم ورجوعهم بواسطة الفجور، وأفهمه الملائكة أن هؤلاء أناس مجرمون. وأن مهمتهم هي إرسال حجارة من طين مسومة من نحو ربك للمسرفين. وعاد سيدنا ابراهيم ، بعدما سد الملائكة باب ذلك المحادثات، رجع يحدثهم عن المؤمنين من أناس لوط. فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. ثم أفهموه أن الشأن قد قضي. وإن مشيئة الله تبارك وتعالى قد اقتضت نفاذ الشأن وهلاك أناس لوط. أفهموا سيدنا ابراهيم  أن عليه أن يعرض عن ذلك المحادثات. ليوفر حلمه ورحمته. لقد أتى أمر ربه. وتتخذ قرار عليهم (عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال سيدنا ابراهيم . كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدل.. سكت سيدنا ابراهيم . وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام

سنورد رواية تشييد منزل الله سبحانه وتعالى في حكاية إسماعيل عليه السلام.

عن mohamed sameer

Experienced Search Engine Optimization Specialist with a demonstrated history of working in the marketing and advertising industry. Strong marketing professional skilled in Search Engine Optimization (SEO), C Programming, swift Programming, Web Design, web development, Negotiation, Customer Service, and Procurement.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *